أقلام المنتدى

الفضاء الرقمي وتشكل الرأي العام في سوريا بعد التحرير: التضليل الإعلامي وتحديات المرحلة الانتقالية

المقدمة:

تفرض مرحلة ما بعد التحرير في المجتمعات التي شهدت تحولات سياسية وعسكرية كبرى تحديات تصيب بنية المجتمع، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة تشكيل المجال العام وبناء حدّ أدنى من التوافق المجتمعي حول القضايا المصيرية؛ وفي الحالة السورية المعاصرة، ومع اتساع مساحة التعبير الرقمي وتراجع أدوات التحكم التقليدية لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد قنوات تقنية لنقل الأخبار وتداولها، بل تحولت إلى الساحة الرئيسة التي تتشكل فيها الاتجاهات العامة، وتتصادم عبرها الروايات حول حاضر البلاد ومستقبلها.

يهدف هذا المقال إلى فهم طبيعة التأثير الذي يمارسه الفضاء الرقمي في الرأي العام السوري في مرحلة ما بعد التحرير؛ فالفضاء الرقمي في سوريا اليوم ليس مجرد شاشات وأزرار، بل إنه ساحة المعركة الحقيقية لهذه المرحلة بين صوت المواطن الذي وجد أخيراً مساحة لينطق بحرية، وسَيل الشائعات والاستقطاب الذي يهدد الترابط الاجتماعي، لنجد أنفسنا أمام سؤال مهم: كيف ندير هذا العالم الافتراضي حتى لا يتحول من أداة حرية إلى لغم يتفجر في واقعنا المنهَك؟

بناء الرأي العام السوري عبر وسائل التواصل بعد التحرير:

تحوُّل البيئة الإعلامية والدور الإيجابي للمنصات الرقمية:

شكّل التحرير نقطة تحول مفصلية في البيئة الاتصالية السورية؛ إذ أدى تقلُّص هيمنة الخطاب الإعلامي الساحق لوسائل الإعلام الرسمية إلى تدفق ملايين السوريين نحو المنصات الرقمية للتعبير عن تطلعاتهم ومواقفهم بحرية. وتتشابك في هذا الفضاء أدوار إيجابية عديدة ترفد بناء المجال العام[1]، منها:

  • كسر الاحتكار وتعددية الرواية: فتحت وسائل التواصل الباب أمام الفئات المجتمعية المختلفة لنقل تجاربها ومعاناتها ومطالبها، مما أسهم في خلق بيئة إعلامية أكثر تنوعاً وتعددية.
  • الإعلام الشعبي والتوثيق المجتمعي: تحول المواطن السوري عبر هاتفه إلى مصدر إخباري مباشر وثّق الاحتياجات الخدمية والانتهاكات والأحداث الميدانية، مما يرفد جهود المساءلة وصناعة القرار المحلي ببيانات حية.

فبالعودة إلى فترة ما قبل سقوط النظام المخلوع كانت ثمّة جهات متخصصة _كالفرع 255 (فرع أمن المعلومات) فقط بجمع المعلومات في القطاعات الدينية والحزبية والإعلامية وما يصبّ فيه من الفروع المركزية الأخرى[2]. واعتقل العديد من الصحفيين المستقلين والمواطنين نتيجة إبداء آرائهم على هذه المواقع وتعرضوا لأقسى أنواع التعذيب.

  • التضامن الاجتماعي والمبادرات: برزت المجموعات الرقمية كأدوات فعالة لتنظيم الحملات الإغاثية، والمبادرات التعليمية والأهلية، وإدارة الشؤون المحلية في ظل تحولات التأسيس التنظيمي والمؤسساتي.

ضريبة المنصات الرقمية:

على الرغم هذا الدور الإيجابي والفعّال الذي أحدثتْه هذه المنصات، إلا انّه لا يخفى على أحد تداعياتها السلبية وآثارها الضارة، ولبيان هذا الجانب جيّداً يتوجب تفكيك هذه الآثار وفقاً لمستويين مختلفين:

1. تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في الفرد:

 تؤثر هذه المواقع بشكل ملحوظ وكبير في الصحّة النفسية للأفراد؛ حيث تشير الدراسات إلى أن الاستخدام المفرط لهذه المنصات يدفع المستخدمين للاكتئاب والإفراط في تحليل ذواتهم ومشاكلهم، كما يسبب بقاء الأفراد في حالة تأهب دائم لاستلام الرسائل الإلكترونية إلى رفع معدلات التوتر والقلق المزمن. وإلى جانب ذلك فإنها تزيد من التنمّر والأنشطة الإجرامية؛ لأنها سهّلت نشر محتويات تهدف للتنمّر والأذية عبر وسائل عدة.

كما تظهر إحدى تأثيرات هذه المواقع في إثارة مخاوف عديدة بشأن الخصوصية الشخصية للأفراد؛ فباتت المعلومات المشاركة على صفحاتهم الشخصية يشاهدها جمهور واسع، بمن فيهم المتطفلون والمحتالون الإلكترونيون، وهذا ما يعرّض هؤلاء الأشخاص إلى مخاطر عديدة تمسّ بياناتهم الشخصية أو استخدام محتواهم الشخصي بطرق غير أخلاقية.

من المعروف أيضاً أن هذه المنصّات تسبب الإدمان، عبر اعتماد المستخدمين على الإشباع الفوري الذي توفره هذه المنصات والمحتوى السريع الذي يحفز الجسم إفراز الدوبامين، وهذا ما يجعل المستخدم يزيد من فترات بقائه على هذه المنصات أكثر فأكثر.

2. تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في المجتمع:

يظهر تأثر المجتمع بهذه المنصات عبر ظواهر عدة، منها:

  • التطرّف والكراهية:

أصبحت خوارزميات هذه المواقع تؤثر بشكل أثار انتباه الخبراء في توجيه المستخدمين إلى محتوى متطرف بشكل متزايد، كما تعد هذه المنصات محوراً أساسياً في النقاشات الدائرة حول التطرّف الإلكتروني، وكثيراً ما تكون بيئته الخصبة هي تلك المجتمعات التي خرجت من صراعات دموية وتحولات سياسية، وتغيرات بنيوية ضخمة.

  • الاستقطاب والانقسام الاجتماعي:

تعزّز غرف الصدى الاستقطاب السياسي والاجتماعي نتيجةً لتعزيز المعتقدات القائمة والأيديولوجية السياسية، مع ازدياد تعرّض المستخدمين لمحتوى يدعم مواقفهم، فيزداد تطرفهم، وتُهمّش الآراء المخالفة، وهذا ما سيتم شرحه تحت عنوان “غرف الصدى والانحياز الخوارزمي”.

  • إضعاف الديمقراطية:

يمكن أن تسهم غرف الصدى في ضعف العمليات الديمقراطية من خلال خلق البيئات التي تكثر فيها المعلومات المضللة أو الأخبار الكاذبة، وعندما يتعرض المستخدم للمعلومات التي توافق معتقداته فقط ينقص احتمال تقييمه النقدي الموضوعي، مما يجعله أكثر عرضة للتضليل والانحياز[3].

أبرز القضايا والموضوعات المهيمنة على النقاش العام؛ كيف يتحرك الرأي السوري؟

لا يتحرك الرأي العام السوري في الفضاء الرقمي بشكل عشوائي، بل يتجمع نسبيًّا حول قضايا محددة تعكس هواجس المرحلة [4]:

  • القضايا المعيشية والاقتصادية: تشكل أسعار السلع، وسعر الصرف، وتوفر الخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، وقود) القوة المحركة الأكثر كثافة للنقاشات، حيث يتفاعل الشارع الرقمي بسرعة مع أي تغير اقتصادي.
  • إدارة الشأن العام والحكم المحلي: تطفو على السطح نقاشات حول أداء المؤسسات الخدمية والإدارية الناشئة في سوريا الجديدة، ومدى قدرتها على استيعاب متطلبات المواطنين وتحقيق الاستقرار والتكافؤ الاجتماعي.
  • قضايا الهوية والعدالة الانتقالية: يدور نقاش محوري حول مستقبل شكل الدولة، وبناء العقد الاجتماعي، والعدالة الانتقالية، وهي ملفات تجذب اهتمام الفاعلين السياسيين والمجتمعيين.

 اضطراب المعلومات؛ التمييز بين الأخبار الخاطئة والتضليل:

في وسط هذا الكمّ من الأصوات والروايات يعاني الفضاء الرقمي السوري من ظاهرة تسمى (اضطراب المعلومات)، وهنا ينبغي التمييز بين مستويين أساسيين للظاهرة[5]:

  • المعلومات الخاطئة (الكذب): تشير إلى تداول معلومات غير صحيحة أو غير دقيقة دون وجود نية مسبقة للإضرار، وينشأ هذا النوع في الواقع السوري نتيجة السرعة في نقل الأخبار، أو حالة القلق العاطفي والخوف لدى المواطنين، مما يدفعهم لمشاركة الشائعات المعيشية أو الأمنية قبل التحقق منها. ولتجسيد هذا المفهوم على أرض الواقع، لدينا أمثلة عديدة ننقل بعضها هنا:

حيث ادّعت مواقع لبنانية عديدة أن السلطات السورية منعت عددًا من الإعلاميين اللبنانيين دخول الأراضي السورية عبر المعابر الحدودية، وتبيّن أنها أنباء خاطئة ولا توجد أية تصريحات رسمية بذلك[6].

كما تم تداول مستخدمون عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة قرار يقضي بإلقاء القبض الفوري على جميع ضباط النظام البائد من رتبة عميد وما فوق، حيث يشمل هذا القرار جميع الضباط، بمَن فيهم أولئك الذين خضعوا للتسوية عقب سقوط النظام، واتّضح بعدها أنه قرار ملفّق لا صحّة له[7].

وظهرت ادّعاءات أن الرئيس أحمد الشرع صرّح بأن مجموعة CMA CGM ضخّت 200 ألف دولار إضافية لرفع طاقة الميناء الاستيعابية قبل نهاية العام، وتبيّن أنه ادّعاء مغلوط، أساسه أن ما ضخّته الشركة هو مبلغ من ضمن الاتفاقية القديمة نفسها ولم تصدر أية زيادة أو تغيير جديد، حيث كان هدف الشركة تسريع إطلاق المرحلة الثانية من مشروع توسعة ميناء اللاذقية والبدء برفع طاقة الميناء[8].

  • التضليل الموجه: يتضمن إنتاج ونشر محتوى زائف أو محرف بنيّة مسبقة ومخططة بقصد توجيه الرأي العام أو إحداث بلبلة، أو التشكيك في الطرف الآخر. ويعتمد هذا التضليل على أدوات تنظيمية وتقنية واستراتيجيات مدروسة.

وتحت هذا البند تم تداول روايات عديدة غير موثوقة تدّعي خطف الفتيات وقتلهن من قبل الأمن العام أو ما يسمّونه (العصابات)، وعلى سبيل المثال لا الحصر: لدينا الفتاة روان مطانيوس سلوم والفتاة آية خليل خضر، اللاتي ادعت عدة جهات تضليلية أنه تم اِختطافهن وقتلهن وإجبار عوائلهن على الاعتراف ان وفاتهما كانت إثر أحداث طبيعية. وتبين بعد التحقق أنه لا وجود لهذه الادّعاءات، وأن الفتاتان توفيتا إثر مسببات مختلفة تماماً[9]؛ فالفتاة آية خضر تبين أنها توفِّيت بسبب أحد أنواع مرض السرطان المشخصّة به سابقًا، والفتاة روان سلوم اتّضح أنها توفيت نتيجة حادث عرضي وليس كما تدعي بعض الصفحات المضلّلة نتيجة قتل وخنق الذي وصفوه (بدمٍ بارد). وكذلك الفتاة ميرا التي دارت حولها الشائعات أنه تم خطفها؛ وتبين أن غيابها كان نتيجة قرار شخصيّ اتّخذته بنفسها لا علاقة له بكلّ ما تم ادّعاؤه.

وقد أخذت هذه الشائعات المضلّلة مساحة كبيرة في تداولات المستخدمين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت هذه الوقائع في الواقع السوري من حالات وحوادث فردية إلى قضية تضليلية موجّهة تهدف لإثارة الرعب في الطوائف المستهدفة، وإقحام النساء في هذه الحرب الإعلامية، وخلق بيئة خصبة لتصديق مثل هذه الشائعات.

كما تم إثبات أن عمليات الخطف كانت موجودة ومستمرة قبل سقوط النظام البائد، ولكن كانت تلك الفترة محدودة تنقل الأخبار بشكل مخيف، بما تضمنته تلك السنين من احتكار للمصادر ومتابعة التحركات الرقمية من قِبل فروع استخباراتية تم ذكرها مسبقًا. وتبين أيضًا أن هذه الحوادث لم تستهدف نساء طوائف معينة فقط، بل توزع انتشار هذه الحوادث على معظم المحافظات السورية قبل وبعد التحرير، وهذا ما ينفي قول أن “الاختطافات” المذكورة لأسباب طائفية. فاستغلت هذه الحوادث وتم تصعيدها لهدف الاستقطاب والتحشيد، لاسيما وأن هذه الملفات باتت حساسة للغاية في مرحلة سوريا الجديدة، فيتم عن طريق ذلك تشويه صورة الدولة وإلباسها صورة داعش وانتهاكاته، كما تزيد هذه الشائعات من الكراهية والخطاب الطائفي بين السوريين[10].

مثال آخر عن الأخبار المضللة: ما تم تداوله من بعض صفحات التواصل الاجتماعي أن قائد أمن حماة (العميد أحمد فرزات الحمدي) يدوس على العلم السوري عقب معارك سراقب، وتم اتهامه بالارتباط بعمليات تعذيب وانتهاكات بحق معتقلين خلال توليه إدارة سجون في إدلب، وبعد التحقق تم تكذيب ودحض الادّعاء وتبيان حقيقة أنها صورة تعود لشخص آخر وهو محمد رمضان الحجي القائد العام للقطاع الشرقي للبادية في هيئة تحرير الشام سابقًا، والذي قُتل جراء انفجار عبوة ناسفة عام 2017[11].

ما هي العوامل المساعدة على التأثير والاستقطاب الرقمي؟

ما هو مفهوم “تصنيع الإذعان الرقمي”[12]؟

هو توجيه وسائط الإعلام الرقمي وخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي لترويض السلوك الاجتماعي، وتشكيل رأي عام موجه، ودفع الجماهير نحو قبول سياسات أو أفكار محددة دون نقاش. وقد استحدثه الباحثان إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي للتحليل النقدي لدور الإعلام التقليدي في صياغة القبول الشعبي، وعند تطبيق هذا المفهوم في البيئة السورية المعاصرة نجد ما يلي:

يتوافق هذا المفهوم في الواقع السوري عبر طرق أساسية:

  • غُرف الصدى والانحياز الخوارزمي:  تُعطي خوارزميات المنصات أولوية للمحتوى الذي يتوافق مع اهتمامات المستخدم السابقة، مما يحبسه داخل “فقاعة من الآراء المتشابهة”، ويقلّل من فرصه في التعرض لوجهات النظر المخالفة.
  • التأطير عبر القوالب الساخرة (الميمز): أضحت الصور والمقاطع الساخرة وسيلة نافذة لتمرير مواقف سياسية أو اجتماعية معقدة، حيث يُقبِل المتلقي على استهلاكها ومشاركتها لكونها خفيفة وجذابة، دون التوقف والتفكير عن معانيها ومقاصدها الحقيقية.
  • الحسابات الوهمية والبوتات: تعتمد على الضّخّ الكثيف وتكرار التعليقات لفرض الانطباع، وخلق الوهم وتزييف الواقع عبر إيهام المتابعين بأن الشارع يُجمع على رأيٍ بعينه.

فتهدف بعض الجهات كأذرع النظام البائد أو قوى دولية خارجية لديها مصالح خاصة إلى زعزعة الاستقرار وتشتيت الشارع السوري من خلال ترويج الشائعات وتناقلها بكثرة لتصبح رائجة ضمن الرأي السوري، وهذا ما تصبح صورته متجسدة بعدم إمكانية حدوث تحالف ووحدة وطنية حقيقية لدى السوريين[13].

حدود التأثير في البيئة السورية:

يقول جاي ابير: “الكل يقول إن الشبكات الاجتماعية عبارة عن أحادي القرن الخرافي؛ لكن ربما في الحقيقة هو مجرد حصان عادي”. على الرغم من الامتداد الواسع للمنصات الرقمية وتأثيرها لا يمكننا إهمال فكرة أن الفضاء الرقمي السوري يتسم بتعدد مراكز التأثير؛ فلا توجد جهة واحدة تملك القدرة على احتكار توجيه الرأي العام بشكل كامل. إضافة إلى ذلك لا يمكن حصر الرأي العام في تكوين واحد، فللرأي العام انقسامات وأجزاء طبيعية نتيجة اختلاف آراء الناس واختلاق طرق تحكيمهم للأمور، ويتضح الأمر في الأبعاد الآتية:

  • الفجوة الرقمية:

يعاني الواقع السوري من أزمات تقنية تتمثّل في الانقطاعات الدائمة للكهرباء، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية، وهذا ما يجعل التفاعل الرقمي في سوريا محدوداً. حيث تشير البيانات إلى أن نحو 64.2% من سكان سوريا كانوا خارج الإنترنت في بداية عام 2024، وهذا ما يؤكد أن المجال الرقمي لم يكن شاملًا لجميع السكان في سوريا[14]. ووثقّت دراسة أنه تاريخيًّا يوجد ضعف في البنية التحتية للاتصالات السورية، وارتفاع صعوبة وتكلفة الوصول للإنترنت، كما تأثرت هذه الشبكات بأضرار الحرب وانقطاعات الكهرباء التي ما زالت مستمرة حتى الآن[15]. وفي 2025 وُصِفت البنية التحتية للإنترنت في سوريا بأنها ضعيفة، بالإضافة إلى اعتماد كثير من المستخدمين على بيانات الهاتف المكلفة[16].

  • شبكات الثقة التقليدية:

تظلّ شبكات الثقة والعلاقات الاجتماعية المحلية _بما فيها الأسرة والفاعلون المجتمعيون_ أحد أهم الأطر التي يتشكل من خلالها نقد وتقييم المعلومات، وهذا ما يشير إلى أن التأثير الر قمي المذكور لا يعمل بشكل مستقل عن البنى الاجتماعية في سوريا؛ فقد أجريت دراسة حول دور قادات المجتمع المدني في السلام الاجتماعي في شمال سوريا، وتوصلت إلى أن أهمية هؤلاء الفاعلين المجتمعيين ما زالت مستمرة ومؤثرة، رغم تغير وتراجع دورهم آنذاك[17]. وفي دراسة أخرى حول الانتماء والثقة والتماسك المجتمعي في سوريا عام 2026 أشارت إلى أن العلاقات المحلية والثقة المجتمعية ما زالت عناصر مهمة في فهم المجتمع السوري[18].

وبناءً على ذلك لا يمكننا وصف المفهوم المذكور سابقاُ “تصنيع الإذعان” أنه عملية آلية تنتقل فيها الرسالة من المنتج إلى المتلقي مباشرةً، وإنما هو تأثير؛ ولكن لا ينعزل عن هذه الأبعاد المذكورة، بالإضافة إلى وعي الجماهير النقدي ووعيهم.

توصيات وتطبيقات ميدانية لتفادي الخطر:

من هنا ينطلق واجب التصدّي لهذه الأخبار والمعلومات التي تفتك بالمجتمع وتشتّت شمله، وهذه خطوات عملية يقوم بها الفرد وتجريها الحكومة نسيطر من خلالها على هذا السلاح ذو الحدّين قدر الإمكان، ونخلق وعياً نقدياً يعالج الشائعات قبل قبولها أو رفضها.

  • توصيات للحكومة السورية وصنّاع القرار:
  1. التربية الإعلامية: إدراج الوعي الإعلامي في المدارس والجامعات، وتطبيق برامج توعوية تهدف إلى تثقيف المواطنين بطرق التحقق البسيطة للتمييز بين الأخبار الموثوقة والشائعات.
  2. تعزيز الشفافية: كل قرار أو تصريح رسمي يجب أن يكون واضحاً لجميع المواطنين، من خلال مكاتب إعلامية متخصصة لذلك.
  3. تطوير أدوات التحقق: يجب في هذه المرحلة تخصيص أدوات تحقق سهلة الاستخدام تمكن المواطن العادي التأكد من صحة الصور أو الفيديوهات التي يشك بها.
  4. اللباس الرسمي: احتكار وضبط اللباس المخصص للأمن لموظفي الأمن العام والشرطة فقط، وتوعية المواطنين حول سبل التعرف على منتحلي الشخصية والتبليغ عنهم.
  5. تعزيز أمن المعلومات: من خلال إنشاء ذراع أمني حكومي متخصص بجميع أشكال الجرائم الإلكترونية ومجهَّز بأعلى مستويات الجاهزية، تفادياً لأي نوع من أنواع التحريض على الكراهية أو الخطابات العدائية أو المعلومات المضللة المقصودة التي باتت تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي بسرعة فائقة[19].
  • توصيات للمجتمع المدني:
  1. توعية المجتمع: من ضمن أهم أولويات المرحلة الحالية هي تقديم تدريبات حول أساسيات التحقق وطرق كشف صحّة المعلومات ومدى مصداقيتها[20].
  2. الوعي النقدي: يجب على الأفراد والمتلقّين لهذا الكمّ الهائل من المنشورات والشائعات عدم التسليم لكل معلومة تُرسل لهم، والتحرّي وراء صحّتها.
  3. توعية المؤثرين: فهم الأكثر تأثيرًا، لذلك يجب تشجيعهم على وتوعيتهم على التحقق أولاً من الأخبار قبل نشرها، وأن يدركوا أن الكلمة والصورة أمانة في أيديهم تصنع أثراً كبيراً في المجتمع.

الخاتمة:

إن إعادة الإعمار ليست حجارة وخدمات فقط، بل هي ترميم للنسيج الاجتماعي وبناء الثقة المجتمعية، ولتحقيق ذلك يجب علينا الحذر والحيطة عند مشاهدة منشور لسنا متأكدين من صحته، فيمكن أن تسبب (ضغطة زر) حدوث جرائم أو سيل من الشائعات التي تفتك ببنية المجتمع.
إن قوة الرأي العام ووعيه يمثلان قوة شعبية حقيقية؛ فبها تسنّ القوانين وتُلغى، وندعم القرارات، وغير ذلك الكثير، فيجدر بنا عدم الاستهانة بهذه القوة الشعبية العظيمة، ويجب توجيهها فيما يصبّ في مصلحة الشعب في مختلف اطيافه بالدرجة الأولى والأخيرة .
ولأن المرحلة الحالية على قدرٍ عالٍ من الحساسية فإن أي قانون يسعى للتحكم بالرأي العام أو تقييده مباشرة سيفهم تلقائيًّا على أنه انتهاك للحريات ووجه من أوجه القمع، ومن هنا تبدأ المسؤولية وتنتهي أيضًا؛ مسؤوليتنا جميعًا في التوعية ومحاولة نشر التثقيف الإعلامي لدى المواطنين لتقليل نشر الأخبار الكاذبة قدر الإمكان.


المراجع:

المراجع العربية

  1. دور وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين الرأي العام – د.عادل بن عبد الرحمن الخضيري – مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية
  2. دور الشبكات الاجتماعية في تشكيل الرأي العام نحو القضايا السياسية لدى المستخدم الجزائري – د. آمال غزال – جامعة الجزائر
  3. تعبئة الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين التأثير والتأثر – م.د سجى فاضل عباس – مجلة الشرق الأوسط
  4. الأخبار الكاذبة في مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيراتها على اتجاهات الرأي العام – بن صالح صورية – جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم
  5. منصة true platform
  6. منصة تأكد
  7. وسائل التواصل والرأي العام – وفاء علوش – تلفزيون سوريا
  8. في استعصاء النقاش السوري – ماجد كيالي – العربية
  9. الشائعات في سوريا.. سلاح خفي لتفكيك المجتمع وإشعال الفتن – هالة القدسي – الجزيرة
  10. “اختفاء” أم “اختطاف”؟ “فلتان أمني” أم “سياسة ممنهجة”؟.. حوادث خطف النساء بعد التحرير
  11. المفقودون والرهائن في عهد بشار الأسد: إضاءات على 45 صحفي ومساعد إعلامي مفقودين في سوريا
  12. إشكاليات النقاش السوري بين الموالاة والمعارضة

المراجع الأجنبية

  1. Ein neuer Strukturwandel der Öffentlichkeit und die deliberative Politik– Jürgen Habermas
  2. Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media – Edward S. Herman, Noam Chomsky 
  3. Algorithms, bots, and political communication in the US 2016 election: The challenge of automated political communication for election law and administration – Philip N. Howard, Samuel Woolley & Ryan Calo
  4. A Study on Positive and Negative Effects of Social Media on Society – W.Akram1, R.Kumar2
  5. The Impact of Social Media on Society and Communication
  6. Social Media’s Impact on Society
  7. DataReportal – Global Digital Insights
  8. Key Developments, June 1, 2017 – May 31, 2018
  9. Gulf Arab telecos compete for Syria fibre optic project, sources say
  10. The Impact of Community Leaders on Social Peace in Northern Syria
  11. What do Syrians actually want? What listening to Syrians revealed about belonging, trust, and change

[1] يُنظر: دور وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين الرأي العام – د .عادل بن عبد الرحمن الخضيري – مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، ودور الشبكات الاجتماعية في تشكيل الرأي العام نحو القضايا السياسية لدى المستخدم الجزائري – د. آمال غزال – جامعة الجزائر، وتعبئة الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين التأثير والتأثر – م. د سجى فاضل عباس – مجلة الشرق الأوسط.
[2] المفقودون والرهائن في عهد بشار الأسد: إضاءات على 45 صحفي ومساعد إعلامي مفقودين في سوريا.
[3] A Study on Positive and Negative Effects of Social Media on Society – W.Akram1, R.Kumar2
 The Impact of Social Media on Society and Communication
 Social Media’s Impact on Society
[4] في استعصاء النقاش السوري، ماجد كيالي، العربية، إشكاليات النقاش السوري بين الموالاة والمعارضة.
[5] الأخبار الكاذبة في مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيراتها على اتجاهات الرأي العام، بن صالح صورية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم.
[6] منصة تأكد.
[7] منصة تأكد.
[8] منصة true platform.
[9] “اختفاء” أم “اختطاف”؟ “فلتان أمني” أم “سياسة ممنهجة”؟.. حوادث خطف النساء بعد التحرير.
[10] المرجع السابق.
[11] منصة تأكد.
[12] Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media – Edward S. Herman, Noam Chomsky
 [12] الأخبار الكاذبة في مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيراتها على اتجاهات الرأي العام، بن صالح صورية، جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانم.
[13] الشائعات في سوريا.. سلاح خفي لتفكيك المجتمع وإشعال الفتن، هالة القدسي، الجزيرة.
[14]  DataReportal – Global Digital Insights.
[15]  Key Developments, June 1, 2017 – May 31, 2018.
[16]  Gulf Arab telecos compete for Syria fibre optic project, sources say
[17]  The Impact of Community Leaders on Social Peace in Northern Syria
[18]  What do Syrians actually want? What listening to Syrians revealed about belonging, trust, and change
[19] “اختفاء” أم “اختطاف”؟ “فلتان أمني” أم “سياسة ممنهجة”؟.. حوادث خطف النساء بعد التحرير.
[20] المرجع السابق.

الموقع الإلكتروني |  مقالات الكاتب

إجازة في الاقتصاد - جامعة غازي عنتاب فرع الباب بريف حلب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى