
الثقة السياسية بوصفها مدخلًا للاستقرار السياسي في المراحل الانتقالية: دراسة تحليلية للحالة السورية
المقدمة:
مثّلت العلاقة بين السلطة والمجتمع على مرّ التاريخ السياسي محوراً أساسياً في دراسات علم الاجتماع السياسي؛ إذ تم التوصّل إلى أن استقرار الأنظمة السياسية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة المؤسسات على اكتساب صفة الشرعية السياسية والقبول الاجتماعي، فوجود المؤسسات الرسمية لا يحتم وحده تحقيق الاستقرار، وإنما يتوجب عليها بذل جهود لبناء علاقة ثقة مع المواطنين، الأمر الذي يسمح لها بأداء مهامها بصورة فعالة.
ويشير مفهوم الثقة السياسية إلى درجة توقّع المواطنين بمستوى عدالة المؤسسات السياسية ومسؤوليتها، وأنها تمتلك الإمكانية التي تجعلها قادرة على تحقيق المصلحة العامة. وقد بيّن ديفيد ايستون أن استمرارية أي نظام سياسي لا يستند فقط على الأداء اليومي للمؤسسات، وإنما على مستوى الدعم السياسي الذي يمنحه أفراد الشعب للنظام السياسي القائم ومؤسساته[1].
وعليه، تبرز أهمية الثقة السياسية بدرجة أكبر خلال المراحل الانتقالية؛ حيث تعيش الدولة صورة خاصة من مراحل إعادة تشكيل مؤسساتها وقواعدها السياسية، ففي هذه المراحل لا يقتصر التحدي لديها في إنشاء المؤسسات فقط، وإنما في قدرتها على اكتساب صفة الشرعية الاجتماعية وتحويل سلطتها السياسية إلى مؤسسات تمتلك قبولاً لدى أفراد المجتمع.
وفي الوقت الراهن، تُمثل الحالة السورية نموذجاً لتحليل هذه العلاقة؛ وذلك نظراً لتعقّد التحولات التي شهدتها على مستوى الدولة والمجتمع، بالإضافة إلى تداخل عدة عوامل؛ أبرزها: إعادة تشكيل المؤسسات، مع آثار النزاع والصراع، ومختلف التحديات الاجتماعية والسياسية. لذا لا ينطلق المقال من افتراض وجود ضعف أو تراجع في الثقة السياسية، وإنما يهدف إلى تحليل دورها ومدى فعالية موقعها في المشهد السوري باعتبارها عنصراً أساسياً في تحقيق الاستقرار السياسي خلال المراحل الانتقالية.
وتتمثل المشكلة في محاولة فهم الدور الذي تؤديه الثقة السياسية في تحقيق الاستقرار السياسي في المراحل الانتقالية، وعلى وجه الخصوص في الحالة السورية التي تواجه التحديات المرتبطة بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وإعادة تنظيم العلاقة بين المجتمع والسلطة السياسية منذ سقوط النظام، وتنطلق المشكلة من فكرة مفادها أن الاستقرار السياسي لا يتحقق فقط من خلال وجود مؤسسات ذات طابع رسمي، بل يحتاج إلى تحقيق قبول اجتماعي وثقة متبادلة بين أفراد الشعب والمؤسسات؛ فالمتعارف عليه على مرّ تاريخ الدول أن المؤسسات التي لا تحظى بدرجة معيّنة من الثقة السياسية تواجه صعوبة في تنفيذ السياسات العامة وإدارة مختلف مجريات الوقائع السياسية والاجتماعية. وعليه يسعى المقال إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس:
كيف يمكن للثقة السياسية أن تُسهم في تحقيق الاستقرار السياسي في المراحل الانتقالية؟ وما خصوصية ذلك في الحالة السورية؟
ويتفرع عنه عدد من التساؤلات:
- ما مفهوم الثقة السياسية؟
- ما طبيعة العلاقة بين الثقة السياسية والاستقرار السياسي؟
- كيف تسهم الشرعية وسيادة القانون والمشاركة السياسية في بناء الثقة؟
- كيف يمكن تحليل الحالة السورية في ضوء هذه العلاقة؟
أما الأهمية فتنطلق من محاولة الربط بين الثقة السياسية من جهة والانتقال السياسي من جهة ثانية وبناء الدولة بعد النزاعات من جهة أخرى، وذلك من خلال محاولة تقديم رؤية تحليلية تفسر العلاقة بين المؤسسات السياسية والمجتمع. كما يحاول المقال توظيف مفاهيم علم الاجتماع السياسي بهدف فهم عملية بناء الشرعية والثقة خلال مجريات التحوّلات السياسية القائمة. كما يهدف المقال إلى محاولة فهم الشروط الاجتماعية والمؤسسية التي من الممكن أن تُقدّم دعماً في الاستقرار السياسي في المرحلة الانتقالية السورية، خاصة فيما يتعلق بالإصلاح المؤسسي والعدالة والمشاركة السياسية.
وقد استند المقال إلى المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل الأدبيات النظرية التي قد سبق وتناولت الثقة السياسية والاستقرار السياسي، إضافة إلى استخدام منهج دراسة الحالة لتحليل التجربة السورية. مع التنبيه أنه لا يهدف إلى قياس مستوى الثقة السياسية ميدانياً، وإنما إلى محاولة تحليل دورها النظري والتطبيقي باعتبارها أحد أبرز المداخل لتحقيق الاستقرار السياسي.
والمقصود بالثقة السياسية من الناحية الإجرائية هو: مستوى ثقة أفراد الشعب بالمؤسسات السياسية وقدرتها على إدارة الشأن العام للبلاد بصورة تتسم بالعدالة والشفافية خلال المرحلة الانتقالية.
أما الاستقرار السياسي فيُقصد به: مدى قدرة المؤسسات ذات الطابع السياسي في المرحلة الانتقالية على حسن إدارة التحولات السياسية بصورة تقلل إلى حد ما من النزاع مع إمكانية تعزيزها لاستمرارية النظام السياسي.
ويُقصد بالحالة السورية في المقال: السياق السياسي والمؤسسي الذي تمرّ فيه سوريا خلال رحلتها في المرحلة الانتقالية نحو سوريا الجديدة، مع التركيز على قدرة الحكومة الحالية على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة السياسية ودعم الاستقرار السياسي.
أما المراحل الانتقالية فيُقصد بها إجرائياً: الفترات التي تعيش فيها الدولة حالة من الانتقال من نظام إلى نظام آخر، أو من مرحلة صراع إلى مرحلة إعادة بناء مؤسساتها بمختلف المجالات، وتتسم هذه المرحلة بأنها قائمة على سلسلة من الإصلاحات السياسية والدستورية والمؤسسية بهدف ترسيخ الشرعية وسيادة القانون.
الإطار النظري:
أولاً: مفهوم الثقة السياسية:
تُعد الثقة السياسية من أبرز المفاهيم في علم الاجتماع السياسي والعلوم السياسية؛ إذ تُفصح عن المستوى الذي يتوقع من المواطنين من فكرة مفادها أن المؤسسات السياسية تُمارس عملها السلطوي بصورة مشروعة وعادلة، وتعمل على تحقيق أقصى درجات المصلحة العامة، ولا تعني الثقة السياسية بالضرورة تأييد جميع السياسات التي تقوم الحكومات بتطبيقها أو غياب النقد لعملها، وإنما تُمثّل حالة انعكاس لرؤية المواطنين لمدى قدرتها على أداء مهامها وفق قواعد قانونية وأخلاقية مستقرة إلى حد ما[2]؛ فهي تمثل الرابط بين النظام السياسي القائم وأفراد الشعب، وتُسهم في العملية المعنية في الحفاظ على هذا النظام واستقراره.
كما تُعد من أبرز مؤشرات الديمقراطية وسيادة القانون[3]، وقد ميّز ديفيد إيستون بين نوعين من الدعم السياسي: دعم محدد يرتبط بتقييم أداء الحكومات، ودعم منتشر يرتبط بشرعية النظام السياسي القائم بذاته. ويُعد هذا التمييز مهماً في المراحل الانتقالية التي تشهدها المجتمعات على المستوى السياسي، وذلك بسبب حالة يعيشها المواطنون من موقف يتمثل بانتقادهم لأداء حكوماتهم مع استمرارية إيمانهم بشرعية مؤسساتهم[4].
ثانياً: النظريات المفسِّرة للثقة السياسية:
أ-النظرية المؤسسية: ترى هذه النظرية أن الثقة السياسية تتمثل بوصفها نتاجاً لأداء المؤسسات السياسية ومدى كفاءتها؛ إذ يعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن المواطنين يبنون مواقفهم من الثقة استناداً لأداء المؤسسات ومدى فاعليتها في استجابة مطالبهم. وبناءً عليه فإن أي تحسُّن في أداء المؤسسات يسهم في تعزيز مستوى الثقة السياسية، بينما ضعف الأداء يؤدّي إلى ارتفاع مستوى الشك وانخفاض مستوى الثقة. وقد ميز ميشلير وروز بين التفسير المؤسسي الكلي الذي يُركّز على الأداء العام للنظام والمؤسسات التابعة له، والتفسير المؤسسي الجزئي الذي يركز على تقييمات المواطنين لأداء المؤسسات[5].
ب-نظرية الثقافة السياسية/ التفسير الثقافي: ومن منظور التفسير الثقافي تُفهم الثقة السياسية باعتبارها امتداداً لمختلف الاتجاهات والقيم التي يحملها الأفراد إزاء المجتمع والآخرين والنظام السياسي القائم؛ أي أن المواطن الذي نشأ في بيئة تسودها الثقة الاجتماعية والمشاركة والتنشئة السياسية ذات الطابع الإيجابي قد يكون أكثر قابلية للثقة في المؤسسات السياسية، فأصول الثقة السياسية قد لا تنتمي للمؤسسات السياسية نفسها، وإنما تتجذر في الثقافة والقيم والتنشئة الاجتماعية[6].
ج-نظرية رأس المال الاجتماعي: تنطلق هذه النظرية من فكرة مفادها أن الثقة السياسية لا تتشكل بمعزل عن العلاقات الاجتماعية، وإنما يمكن أن يكون هناك عوامل أخرى تتأثر بها درجة الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، وكذلك أيضاً بشبكات المشاركة والانخراط في التنظيمات ذات الطابع الاجتماعي والمدني؛ فالتفاعل والتعاون القائم ضمن هذه الشبكات يُرسّخان معايير المعاملة بالمثل والثقة، وعليه فإن هذا الأمر من الممكن أن يمتد إلى المجال السياسي، مما يُعزّز من ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية. وقد أوضحت بيك،م.، وكستيلا-كيكونين أن الثقة بين الأفراد أحد أبرز مكونات رأس المال الاجتماعي المتعلقة بقوة الثقة السياسية، في حين اتضح أن تأثير النشاط التنظيمي أقل وضوحاً[7].
ثالثاً: العلاقة بين الثقة السياسية والاستقرار السياسي:
تلعب الثقة السياسية دوراً محورياً في دعم الاستقرار السياسي في المجتمع؛ وذلك لأنها تمنح المؤسسات الحكومية الشرعية المطلوبة لأداء أدوارها، وتشجع أفراد الشعب على الالتزام بالقوانين والمشاركة في الحياة العامة. ولذلك يُنظر إليها باعتبارها أحد الموارد السياسية والاجتماعية التي تساعد على إدارة مختلف الصراعات والنزاعات داخل المجتمعات.
ويُعرف الاستقرار السياسي بأنه قدرة النظام السياسي على البقاء والتكيُّف مع البيئة المحيطة به، مع إمكانية استمراره لأطول فترة زمنية ممكنة دون حدوث أي تغيير اجتماعي، مع استطاعة النظام السياسي أو السلطة الحاكمة أن يُحقّق رضاً شعبياً وقبولاً كافياً[8].
ولطالما ارتبط مفهوم الثقة السياسية بالاستقرار السياسي من خلال الدور الذي تلعبه في تعزيز شرعية النظام السياسي وقبول أفراد الشعب بالمؤسسات والقواعد السياسية؛ فعامل الثقة بتلك المؤسسات ذات الطابع الحكومي السياسي هو الذي يجعل المواطنين أكثر استعداداً للالتزام بلائحة القوانين والسياسات والمشاركة ضمن القنوات السياسية الرسمية، أما في حال عدم الرضا عن تلك المؤسسات فإن انخفاضها يُؤدّي إلى تدنّي مستوى الشرعية السياسية؛ وعليه فإن الثقة السياسية كانت وما تزال أحد أهم الموارد التي تساعد الأنظمة السياسية للمحافظة على شرعيتها واستقرارها[9].
وتسهم الشرعية السياسية في بناء الثقة عندما يُدرك أفراد الشعب أن المؤسسات التي تمارس سلطتها بصورة عادلة ومستجيبة وقابلة للمساءلة؛ إذ يتعلق تقييم عامل الثقة بمدى استجابة المؤسسات الحكومية لتوقّعات المواطنين المرتبطة بعوامل العدالة والإنصاف وكذلك الفعالية[10]. كما تُعزّز سيادة القانون الثقة من خلال وضع الحدود القانونية للتصرفات الاعتباطية وإخضاع ممارسي السلطة للقواعد القانونية والمحاسبة، الأمر الذي يجعل علاقة المواطن بالمؤسسة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ[11]. وكذلك تسهم المشاركة السياسية في بناء الثقة حينما يتم منح المواطنين فرصة التعبير عن مصالحهم وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في عملية صنع القرار ومراقبة أداء المؤسسات؛ فالمشاركة والثقة ترتبطان بعلاقة قائمة على التبادل، ويمكن من خلال إتاحة المجال للمشاركة الشاملة والشفافة أن تعزز ثقة المواطنين بحكومة النظام القائم[12].
وبذلك تتكامل عوامل الشرعية وسيادة القانون والمشاركة السياسية في ظل توفر بيئة خصبة تعزز فكرة المؤسسية وقبول السلطة، وبالمقابل تحدّ من التعسف والمماطلة، وتمنح المواطن دوراً رئيسياً في العملية السياسية، الأمر الذي يدعم الثقة السياسية واستقرارها.
رابعاً: الدراسات السابقة:
تُعد دراسة ليفي وستوكر (Levi & Stoker, 2000) المعنونة بـ “الثقة السياسية والجدارة بالثقة” (Political Trust and Trustworthiness)، والمنشورة في مجلة Annual Review of Political Science من أبرز الدراسات المرجعية في هذا الحقل؛ إذ قدمت مراجعة تحليلية شاملة لمصطلح الثقة السياسية، وميزت بين الثقة في الحكومة من جهة والثقة في المؤسسات من جهة أخرى والفاعليين السياسيين، كما بينت أن الثقة السياسية تتأثر بجودة الأداء المؤسسي والشرعية والامتثال للقانون، وأنها من العوامل التي ترتبط بشكل إيجابي بالمشاركة السياسية والالتزام المجتمعي، وانتهت الدراسة إلى أن الثقة السياسية تمثل أحد المقومات الأساسية لاستقرار النظم السياسية واستمرارها[13].
وفي السياق نفسه، هدفت دراسة ميشلر وروز (Mishler & Rose, 2001) المعنونة بـ“ما هي أصول الثقة السياسية؟ اختبار النظريات المؤسسية والثقافية في مجتمعات ما بعد الشيوعية” (What Are the Origins of Political Trust? Testing Institutional and Cultural Theories in Post-Communist Societies) إلى اختبار مختلف التفسيرات المؤسسية والثقافية لأصول الثقة السياسية في عشر دول من دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، وذلك خلال مرحلة التحول الديمقراطي التي عاشوها. واستخدمت الدراسة بيانات مسحية والتحليل المقارن، وتوصلت إلى أن جودة أداء المؤسسات السياسية والاقتصادية تُعد العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الثقة السياسية، متقدمة على التفسيرات الثقافية التقليدية، بما يؤكد فكرة مفادها أن الثقة السياسية يمكن بناؤها من خلال رفع جودة أداء المؤسسات خلال المراحل الانتقالية[14].
وركزت دراسة زمرلي ونيوتن (Zmerli & Newton, 2008) المعنونة بـ “الثقة الاجتماعية والثقة السياسية: بدائل أم مكملات؟ (Social Trust and Political Trust: Alternatives or Complements? ) المنشورة في المجلة الدولية للعلوم السياسية (International Political Science Review)على العلاقة القائمة بين الثقة الاجتماعية والثقة السياسية، وتوصلت إلى وجود صلة إيجابية بين ارتفاع مستويات الثقة الاجتماعية وازدياد الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، مؤكدة أن رأس المال الاجتماعي يمثل أحد أبرز المرتكزات الأساسية لبناء الثقة السياسية وتعزيز الاستقرار السياسي[15].
يتضح بعد عرض الدراسات السابقة أن عامل الثقة السياسية تم تناوله من حيث المفهوم والمحددات وعلاقته بأداء المؤسسات والثقة الاجتماعية، إلا أن نقطة المقال التي تتناول العلاقة بين الثقة السياسية والاستقرار السياسي في سياق المراحل الانتقالية، وعلى وجه الخصوص في الحالة السورية، لم تحظ بقدرٍ كافٍ من التحليل؛ ولذا يسعى المقال الحالي إلى سدّ هذه الثغرة من خلال تحليل دور الثقة السياسية في دعم الاستقرار السياسي خلال المرحلة الانتقالية للحالة السورية، مع التركيز على عوامل الشرعية وسيادة القانون والمشاركة السياسية والأداء المؤسسي.
خامساً: تحليل الحالة السورية في ضوء الثقة السياسية والاستقرار السياسي:
تُعد الحالة السورية النموذج الأمثل لتحليل العلاقة بين الثقة السياسية والاستقرار السياسي في المراحل الانتقالية، وذلك لما اتسمت به من تعقيدات في عملية إعادة بناء الدولة والمؤسسات بعد سنوات من التحديات والصراع، وفي هذا السياق لا تُدرس الثقة السياسية باعتبارها عاملاً مرتفعاً أو منخفضاً، وإنما باعتبارها عاملاً يتم تفسيره من خلال قدرة المؤسسات على اكتساب الشرعية وتعزيز الاستقرار.
ويُعرف عن الثقة السياسية أنها تُمثّل شكلين من التحولات الانتقالية؛ الأولى متمثلة في صورة انتخاب وتحول سياسي، والثانية تأتي بعد الثورات واستبدل بها مصطلح الإصلاح، وتأتي المرحلة الانتقالية ضمن عملية وضع مؤقت يأتي بعد وضع غير مرغوب به، استمر لفترة طويلة من الزمن، ويرغب في تغييره ضمن سياق استشراقي قائم على عمليات تغيير وتحول[16].
إن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة المؤسسات على بناء علاقة جديدة مع أفراد الشعب تقوم على أسس عديدة؛ أبرزها: سيادة القانون والشفافية والمساءلة والمشاركة السياسية؛ فوجود مؤسسات رسمية لا يعني بالضرورة أنها تكفي لتحقيق الاستقرار المراد به، فلا بد أن تحظى بقبول أفراد الشعب وثقتهم.
وتُعد المرحلة الانتقالية السورية، التي بدأت بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اختباراً صريحاً للعلاقة بين الثقة السياسية والاستقرار السياسي؛ إذ انتقل المشهد السوري إلى مرحلة إعادة بناء المؤسسات السياسية والأمنية في بيئة تعدّدت فيها القوى وتراكمت فيها آثار الحرب. وفي هذا السياق أوضحت وثيقة الأمم المتحدة أن اللجنة التحضيرية المسؤولة عن الحوار الوطني قد عقدت مشاورات بمختلف المحافظات السورية والتقت بما يقارب 4000 شخص، وقد سلطت الضوء على مشاركة النساء في مؤتمر الحوار الوطني التي بلغت بما يقارب 15%، مع استمرار عدم وضوح الآليات التي سيعتمدها القائمون على المؤسسات الانتقالية اللاحقة[17].
ومن المنظور السياسي تُعدّ المشاركة السياسية الواسعة إحدى أبرز القنوات المتوقعة لبناء الشرعية، حيث تعتبر عملية إشراك مختلف فئات ومكونات المجتمع في صياغة مستقبل الدولة من معززات الشعور بالتمثيل والقبول؛ إلا أن لمس أثر الحوار في الثقة السياسية لا يمكن أن نتنبأ به مسبقاً، وإنما ذلك يعتمد على استمرارية حالة المشاركة وشمولها، وعلى تحول نتاجها إلى سياسات ومؤسسات فعلية.
في 13/ مارس 2025م، صدر الإعلان الدستوري الذي نظّم للفترة الانتقالية، وقد شمل ضمانات الحقوق وسيادة القانون؛ إلا أن Human Rights Watch أثارت بعض المخاوف بمضمون الدستور كونه على حسب ادعائها تركزت سلطات واسعة لدى الرئيس، خصوصاً فيما يتعلق بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية والسلطة التشريعية، وما قابله من ضعف في آليات الرقابة المستقلة[18].
ومن منظور التحليل السياسي، يكشف أن الثقة السياسية لا يلزم أن تتأسس على وجود قواعد دستورية فحسب، بل يجب أن تتأثر أيضاً بطريقة توزيع مهام السلطة على المؤسسات ووجود آليات ذات فعالية عالية وصلاحيات للمساءلة والرقابة، ولذلك يتحتم التمييز بين الشرعية القانونية للنظام الانتقالي والثقة الفعلية التي تمنح للمؤسسات.
وكانت أحداث الساحل في آذار/ مارس 2025 أحد أكثر الاختبارات حدةً لقدرة المؤسسات الانتقالية على حماية المدنيين وضبط القوى المسلحة، وسعى تقرير EUAA إلى توثيق الهجمات التي نفذتها القوات الموالية للنظام البائد في الساحل (الفلول) وتلتها مواجهات واسعة وعمليات أمنية مكثفة اتسم بعض منها بأعمال انتقامية ذات طابع طائفي، وقد نشرت الأمم المتحدة عدد القتلى بتقدير تخطى 1,400 شخص[19].
ومن منظور الثقة السياسية، فإن هذه الأحداث والتطورات لا تثبت وحدها الانخفاض أو الإخلال بمستوى الثقة السياسية؛ إذ إن أغلب المصادر لم تُقدّم قياساً مباشراً لها، لكن هذه الوقائع تمثل اختباراً للأداء المؤسسي، خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الدولة على حماية المواطنين بمختلف الطوائف ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات والانتهاكات.
وفي 10 آذار/ مارس 2025 تم توقيع اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” يهدف إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، مع الحصول على حقوق تؤكد المشاركة والتمثيل لجميع السوريين بمختلف مكوناتهم؛ إلا أن تنفيذ الاتفاقية تعرض لصعوبات، الأمر الذي أدى إلى عودة المواجهات الميدانية في شمال شرق سوريا في يناير/ كانون الثاني 2026 قبل العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق جديد في 29 كانون الثاني/ يناير 2026. ولقد أوضح البرلمان الأوروبي أن الاتفاقية الجديدة وضعت كافة ترتيبات الدمج، لكنه بالمقابل ترك بعض القضايا السياسية والأمنية المهمة قيد التنفيذ[20].
ومن منظور الثقة السياسية فإن هذه التطورات توضح أن ليس توقيع الاتفاق هو مؤشر يتم الاعتماد عليه لبناء الثقة أو تعزيزها، وإنما استدامتها والالتزام بتنفيذها بصورة متبادلة وشفافة ضمن الأطر القانونية.
أما فيما يتعلق بأحداث السويداء، فقد بدأت في تموز/ يوليو 2025 معلنة تحدياً صارخاً يرتبط بعلاقة السلطة المركزية بالمجتمعات المحلية، وأوضح تقرير EUAA أن العنف اندلع بعد سلسة من عمليات خطف واشتباكات بين مجموعات ذات مرجعية درزية وبدو، ثم تسارعت الأحداث إلى مواجهات عسكرية واسعة، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة بين المجموعات ذات المرجعية الدرزية وقوات من الأمن الداخلي حتى تاريخ مايو/ أيار 2026، وطوال فترة الاشتباكات بقيت أجزاء واسعة من محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية خارج سيطرة الحكومة الانتقالية بشكل مباشر[21]. ويمكننا قراءة هذه الوقائع بوصفها مؤشراً بارزاً يدل على أن الاستقرار المحلي لا يعتمد فقط على الإمكانيات الأمنية المركزية وحدها، وإنما يحتاج وجود علاقة تتسم بالقبول والثقة المتبادلة بين المؤسسات الحكومية المركزية والمجتمعات المحلية.
وفي بداية عام 2026، ظهرت مؤشرات تدل على تحسن نسبي في مستوى العنف المباشر بين مختلف الأطراف؛ إذ يشير EUAA إلى أن الفترة الزمنية التي امتدت من تاريخ 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 إلى 31 أيار/ مايو 2026، شهدت مؤشرات على الاستقرار والهدوء النسبي إذا ما تمت مقارنته بالمرحلة التي أعقبت سقوط النظام البائد، وأن مارس/ آذار 2026 سجل _وفقاً لنائب المبعوث الأممي_ أدنى مستويات العنف المباشر المرتبط بالنزاع والصراع خلال فترة امتدت 15 عاماً. ومع كل التعهدات والتأكيدات على حل النزاعات بطرق تخلو من العنف إلا أن التوترات المجتمعية والتهديدات الأمنية استمرت، وكذلك الحال بالنسبة للسويداء، ولكن بشكل متقطع حتى مايو 2026[22].
وتشكل حادثة وفاة المحتجز محمد غميرة في مخفر شرطة الحفة في مدينة اللاذقية نموذجاً لتقييم علاقة الثقة السياسية في الاستقرار السياسي في المرحلة السورية الانتقالية[23]، الأمر الذي عكس حالة التشنج الشعبي الفوري واهتزاز مؤشر الأمان معلناً تحدياً بنيوياً يكمن في الهوة بين التغيير السياسي الأعلى وبقاء بعض الانتهاكات والممارسات المسلكية لدى بعض الأجهزة التنفيذية الصغرى[24]، وفي الناحية الأخرى تمثل استجابة وزارة الداخلية بسرعة توقيف المتورطين في الحادثة وإحالتهم إلى التحقيق في آلية لمعالجة إجرائية هدفها ترميم الثقة من خلال إثبات سيادة القانون وتأكيد فردية الانتهاك[25].
ومن المنظور السياسي، يصبح الاستقرار السياسي محصلاً لمدى استطاعة النظام القضائي السوري مأسسة المحاسبة، وتحويل الثقة من مجرد وعود خطابية سياسية إلى أداء مؤسساتي سياسي فعلي.
سادساً: الخاتمة والتوصيات:
مما سبق نستنتج أن الحالة السورية برهنت أن الاستقرار الذي تحقق بصورة نسبية خلال المرحلة الانتقالية ما يزال هشاً؛ لأن التحسن على الصعيد الأمني لم يترافق بالضرورة مع ترسخ الثقة السياسية بالمؤسسات الحكومية ذات النظام الانتقالي، واتضح في الحوار الوطني أن هناك محدودية في التمثيل، ويتوجب توسيع رقعة المشاركة السياسية. كما أبرز الإعلان الدستوري أهمية وجود الضوابط والمُساءلة دون تركز رقعة السلطة.
وفي أحداث الساحل بينت أن حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الأخطاء والانتهاكات شرط لإعادة بناء الثقة، وكشفت مجريات السويداء أن أهمية بناء علاقة أكثر من مجرد قبول وثقة بين المركز والمجتمعات المحلية. وعليه يوصي المقال بتوسيع المشاركة والتمثيل في مؤسسات المرحلة الانتقالية، ورفع مستوى تعزيز الضوابط الدستورية والمساءلة، وإجراء تحقيقات ذات درجة عالية من الشفافية في الانتهاكات وحماية المدنيين بمختلف مكوناتهم بصورة متساوية وعادلة، وتسريع عملية تنفيذ الاتفاقيات الخاصة بتوحيد المؤسسات والقوى المسلحة عبر قناة الحوار ودون تدخل أجنبي، وتطوير ترتيبات مؤسسية تعمل على الاستجابة لمخاوف المجتمعات المحلية، بالإضافة إلى اعتماد قياسات دورية للثقة السياسية بشفافية عالية.
بناءً عليه يجب ألا يتم تقييم نجاح المرحلة الانتقالية من خلال انخفاض عامل العنف وحده، وإنما من خلال القدرة على تحويل التحسن الأمني إلى ثقة مؤسسية ذات طابع مستدام؛ لأن استقرار حالة المواطن السوري لن تترسخ إن لم يشعر بأن مؤسسات دولته ذات النظام الجديد تمثله وتحميه في آن معاً، وتخضع للقانون والمساءلةنهأ.
خريجة علم اجتماع
طالبة ماجستير في علم الاجتماع السياسي ومحاضرة في جامعة حلب



