أقلام المنتدى

الشباب الجامعي والاغتراب السياسي بعد التحول السياسي في سوريا: هل تغيّرت علاقة طلبة جامعة حلب بالسياسة؟

المقدمة:

تُعد علاقة الشباب بالسياسة أحد المؤشرات المهمة لفهم طبيعة التحولات التي تمرّ بها المجتمعات، ولاسيما في المراحل التي تشهد تغيرات في بنية السلطة والمجال العام؛ فالتحولات السياسية لا تقتصر آثارها على المؤسسات والقوانين، وإنما تمتد إلى تصورات الأفراد تجاه السياسة، ومستوى ثقتهم بالمؤسسات، واستعدادهم للمشاركة في الشأن العام.

في الحالة السورية مثّل سقوط النظام البائد في كانون الأول 2024 نقطة تحول مفصلية؛ حيث أدخلت البلاد في مرحلة سياسية انتقالية أعادت تشكيل بنية السلطة والمجال العام، وخلال عام 2025 شهدت سوريا تشكيل حكومة انتقالية، وانعقاد مؤتمر الحوار الوطني، وصدور إعلان دستوري، إلى جانب تحولات في العلاقات الدولية والاقتصادية، بما في ذلك إجراءات متعلقة بالعقوبات الاقتصادية والسياسية المفروضة على سوريا. إلا أن تغيُّر البيئة السياسية لا يعني بالضرورة تغيُّر علاقة الأفراد بالسياسة بالسرعة نفسها؛ فقد ارتبط العمل السياسي في التجربة السورية السابقة بالخوف والرقابة وتقييد حرية التعبير، الأمر الذي أسهم في ترسيخ حالة من الاغتراب السياسي لدى شرائح من المجتمع، تمثلت في الشعور بالعجز عن التأثير، وضعف الثقة بالمؤسسات، والابتعاد عن الشأن العام. ومثل هذه المواقف لا تزول بالضرورة بمجرد تغير السلطة؛ إذ تتشكل الاتجاهات السياسية عبر تراكم الخبرات الاجتماعية والنفسية، وقد تستمر بعض أنماط الحذر والابتعاد حتى بعد تغير الظروف التي نشأت في ظلها.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين تغيُّر البيئة السياسية وتغيُّر العلاقة النفسية والاجتماعية بالسياسة؛ فقد تتسع مساحة التعبير والمشاركة، بينما تستمر لدى بعض الشباب مخاوف أو أنماط سلوكية تشكلت خلال المرحلة السابقة، وفي المقابل قد يتيح انفتاح المجال العام لآخرين إعادة بناء علاقتهم بالشأن العام والانتقال تدريجياً من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع أكثر فاعلية في المشاركة فيها. كما يمكن أن تتداخل في تشكيل هذه العلاقة عوامل أخرى، مثل: العوامل الاقتصادية، والتنشئة الأسرية، والخلفيات الاجتماعية والجغرافية، والتجارب التي عاشها الأفراد خلال سنوات الماضية، فضلاً عن الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل المواقف السياسية.

ومن هنا تبرز جامعة حلب بوصفها حالة جديرة بالدراسة في هذا السياق؛ فهي من أكبر الجامعات السورية، وتضم طلبة ينتمون إلى محافظات وخلفيات اجتماعية واقتصادية وثقافية متنوعة، كما أن مدينة حلب كانت من أكثر المدن تأثراً بسنوات الثورة والحرب، وما رافقها من دمار وتهجير وانقسام جغرافي، وهو ما منح طلبتها تجارب سياسية واجتماعية متباينة يمكن أن تنعكس على مواقفهم من الشأن العام. ويمكن أن تمثل طلبة جامعة حلب مدخلاً غنياً لفهم بعض أوجه التحول في علاقة الشباب السوري بالسياسة، دون افتراض إمكانية تعميم تجربتهم بصورة مباشرة على جميع الشباب السوري.

وانطلاقاً من ذلك لا تفترض هذه المقالة مسبقاً أن التحول السياسي أدى إلى زيادة المشاركة السياسية أو تراجع الاغتراب السياسي لدى الشباب، وإنما تسعى إلى استكشاف مدى تغيُّر علاقة طلبة جامعة حلب بالسياسة بعد التحولات التي شهدتها سوريا منذ كانون الأول 2024، من خلال الوقوف على مظاهر اهتمامهم بالشأن العام ومشاركتهم فيه، ورصد استمرار أو تراجع بعض مظاهر الاغتراب السياسي، إلى جانب تحليل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية التي يمكن أن تؤثر في اتجاهاتهم نحو السياسة.

وعليه تنطلق المقالة من السؤال الرئيس الآتي: إلى أي مدى تغيّرت توجهات طلبة جامعة حلب إلى السياسة بعد التحولات التي شهدتها سوريا عقب سقوط النظام البائد عام 2024؟

وإضافة الى ذلك تسعى المقالة للإجابة أيضاً عن الأسئلة الفرعية التالية:

  • ما هي العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تدفع بعض الطلبة إلى الانخراط في الشأن العام مقابل استمرار ابتعاد آخرين عنه؟
  • هل تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي في تشكيل الوعي السياسي لدى الشباب الجامعي؟

منهجية المقالة:

اعتمدت المقالة على الجمع بين أداتَين بحثيتَين متكاملتَين: الأولى مكتبية تحليلية تستند إلى مراجعة الأدبيات المتصلة بالاغتراب السياسي والشباب والتحولات السياسية،  والثانية ميدانية أولية تتمثل في مصادر أصلية جُمعت خصيصاً لهذا المقالة، تمثّلت بأربع مقابلات شبه منظّمة أُجريت مع طلبة من جامعة حلب، بواقع طالبَين وطالبتَين، من تخصصات أكاديمية مختلفة، بهدف تعزيز تمثيل العينة، ولو بشكل أولي واستكشافي لتنوع الطلاب في الجامعة.

وقد اعتمدت المقابلات على أربع محاور رئيسة: تحوّل علاقة المشارك بالسياسة قبل وبعد عام 2024، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في هذا التحول، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل وعيه السياسي، وأشكال مشاركته الفعلية أو الممتنعة في الشأن العام. ونظراً لصغر حجم هذه العينة (أربعة مشاركين) فإن الغاية منها استكشافية بالدرجة الأولى، تتيح تعميق القراءة النظرية بأمثلة ومعطيات أولية من الواقع الطلابي المباشر، دون أن تسمح بتعميم إحصائي على مجتمع طلبة الجامعة ككل، وهو قيد منهجي ينبغي الإقرار به بوضوح عند قراءة أي استنتاج مستقى من هذه المقابلات.

حرصاً على خصوصية المشاركين وسلامتهم جرى إخفاء هوياتهم بالكامل، واستخدمت رموز مجرّدة للإشارة إليهم عند أي اقتباس أو إشارة إلى إجاباتهم لاحقاً في المقالة على النحو الآتي: (م3) و(م4) للمشاركَين الذكور، و (م5) و(م6) للمشاركتَين من الإناث. وقد جرى الحصول على موافقة شفهية من جميع المشاركين على استخدام إجاباتهم لأغراض هذا المقالة فقط، مع توضيح طوعية المشاركة وحقهم في الامتناع عن الإجابة عن أي سؤال.

المحور الأول: نظرة في الإطار المفاهيمي:

الاغتراب السياسي:

يُعد الاغتراب السياسي أحد المفاهيم الرئيسة في علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي، ويُستخدم لتفسير ضعف ارتباط الأفراد بالحياة السياسية وتراجع شعورهم بالقدرة على التأثير في القرارات العامة. وقد ازداد الاهتمام بهذا المفهوم مع تصاعد مظاهر الابتعاد عن المشاركة السياسية، لاسيما لدى فئة الشباب، بوصفه مؤشراً على وجود فجوة بين المواطنين والنظام السياسي، وانخفاض مستويات الثقة بالمؤسسات العامة.

وقد تعددت تعريفات الاغتراب السياسي باختلاف المنطلقات النظرية.

يُعرف الاغتراب السياسي بأنه: “شعور الفرد بأنه ليس جزءاً من العملية السياسية، وأن صانعي القرارات السياسية لا يضعون له اعتبارا ولا يعملون له حساباً” (1). كما يُعرف الاغتراب السياسي بأنه شعور الفرد بالانفصال عن المؤسسة السياسية القائمة، وشعوره بأنه غريب عن النظام السياسي؛ لوجود فجوة كبيرة في القيم بينه وبين نظامه، وإحساسه بأن السلطة الموجودة لا تهتم به ولا يعنيها أمره، وبأنه لا قيمة له، ويؤدي ذلك إلى فقدان الفرد الدافع للمشاركة السياسية الفاعلة والإحساس بعدم الرضا(2).

ويظهر الاغتراب السياسي عملياً في صورتَين متكاملتَين؛ الأولى: معرفية وانفعالية تتمثل بتراجع الاهتمام بمتابعة الأخبار والقضايا السياسية و اللامبالاة بالشأن العام، ، والثانية: سلوكية تتمثل في الابتعاد عن المشاركة السياسية بأشكالها المختلفة، مثل: التصويت، والانضمام إلى الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني، أو حتى المشاركة في النقاشات السياسية العامة.

وفي الحالة السورية ارتبط الاغتراب السياسي لعقود بطبيعة النظام البائد الذي قيّد المجال العام، وحدّ من حرية التعبير والمشاركة السياسية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ ثقافة الحذر والابتعاد عن الشأن العام، خاصة بين فئة الشباب، كما خضعت الجامعات لرقابة مباشرة وغير مباشرة على أنشطتها الطلابية؛ مما عزز الاعتقاد بأن الابتعاد عن السياسة يمثل وسيلة للحماية أكثر من كونه موقفاً سياسياً، وهو أثر لا يُتوقع أن يختفي بصورة تلقائية بمجرد تغير السلطة، بل يحتاج إلى وقت وتجارب ديمقراطية ومؤسسات موثوقة لإعادة بناء الثقة بالمشاركة السياسية.

المحور الثاني:

أولاً: الاغتراب السياسي قبل وبعد سقوط النظام البائد:

قبل عام 2024 كانت الجامعات السورية عموماً، وجامعة حلب على وجه الخصوص مقيّدة سياسياً بشكل واضح؛ إذ لم يكن الحديث في السياسة داخل أسوارها فعلاً محايداً، بل كان يحمل كلفة محتملة قد تصل إلى الفصل الأكاديمي أو المساءلة الأمنية أو ما هو أخطر من ذلك. وقد رسّخ هذا المناخ لدى الطلبة سلوكاً مزدوجاً: صمت علني كامل في كل مكان وفي الجامعة بشكل خصوصي، وتداول محدود جدًا للآراء السياسية في دوائر ضيقة موثوقة من الأصدقاء المقرّبين أو أفراد الأسرة. وقد فاقم من هذا الانغلاق ما تعرضت له مدينة حلب نفسها من دمار واسع وانقسام جغرافي في سنوات الثورة.

مع سقوط النظام البائد، وما تلاه من إعلان دستوري وحكومة انتقالية ومؤتمر حوار وطني انفتح المجال العام نظرياً أمام تعبير سياسي لم يكن ممكناً سابقاً، وشهدت البلاد موجة من النشاط السياسي والمدني الذي كان محظوراً لعقود، تمثّلت في بروز تيارات سياسية ومدنية ودينية متعددة تتنافس على تشكيل مستقبل البلاد، بين دعوات لدولة مدنية أو دولة ذات مرجعية إسلامية بدرجات متفاوتة من الاعتدال، ومطالبات بضمان دولة القانون والحريات العامة، بصرف النظر عن شكل الحكم النهائي.

لكن الانتقال من “غياب المجال العام السياسي” إلى “المشاركة الفعالة سياسياً” ليس تلقائياً، ولا يحدث بمجرد إسقاط رأس النظام البائد؛ فالمرحلة الانتقالية نفسها لا تزال تُطرح حولها تساؤلات جوهرية عن مدى شمول العملية السياسية لتمثيل التنوع السوري القومي والديني. كما أن ثمّة عدداً من العوامل التي تؤثر في المشاركة السياسية.

ثانياً: العوامل المؤثرة في اتجاهات طلبة جامعة حلب نحو السياسة:

يمكن فهم اتجاهات طلبة جامعة حلب نحو السياسة في المرحلة الانتقالية من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة؛ إذ لا يبدو أن التحول السياسي وحده كان كافياً لإحداث تغيُّر موحد في مواقف الطلبة، فقد أظهرت المقابلات أن العلاقة بالسياسة تتشكل عند تقاطع الظروف الاقتصادية والاجتماعية وإرث الخوف وطبيعة الإعلام الرقمي وفرص المشاركة المجتمعية، إلى جانب التحولات التي طرأت على البيئة الجامعية نفسها.

  1. العوامل الاقتصادية والمعيشية:

برزت البطالة وتراجع الظروف المعيشية بوصفهما من أكثر العوامل تأثيراً في المشاركين؛ فقد أشار معظم الطلبة إلى أن تأمين متطلبات الحياة اليومية والحصول على فرص العمل أصبحا أولوية تتقدم على الاهتمام بالشأن السياسي، إذ قال أحد المشاركين: “عندما يتم دعوتي لحضور فعالية سياسية لا أحضر بسبب عملي [5]. ويشير ذلك إلى أن محدودية المشاركة لا تعكس بالضرورة رفضاً للسياسة؛ وإنما قد تكون نتيجة لمنافسة الأولويات الاقتصادية للانخراط في المجال العام.

ومن هذا المنظور يبدو أن التحسُّن في البيئة السياسية لا يؤدي تلقائياً إلى زيادة المشاركة السياسية ما لم يترافق مع تحسُّن في الظروف التي تسمح للشباب بتخصيص الوقت والموارد للمشاركة؛ ولذا فإن العامل الاقتصادي قد يعمل بوصفه عاملاً مؤثر في المشاركة، حتى في ظل اتساع مساحة التعبير السياسي، الأمر الذي يساعد على تفسير استمرار ابتعاد جزء من الطلبة عن الشأن العام [3،4،5،6].

  1. العوامل الأسرية والاجتماعية:

لا تزال الأسرة تمارس تأثيرًا واضحًا في تشكيل علاقة الطلبة بالسياسة، ولاسيما لدى الطلبة الذين نشؤوا في بيئة اجتماعية اتسمت بالحذر والخوف من الحديث في الشأن العام؛ فقد قال أحد المشاركين: قبل دخولي الجامعة قبل ثلاث سنوات قال لي والدي: لا تتكلم عن أي شي غير الدراسة، منذ ذلك الحين إلى اليوم لا أتكلم بشي اسمه سياسة أي كان نوعه [4].

وتكشف هذه الشهادة أن الابتعاد عن السياسة قد يتحول من استجابة لظرف سياسي مباشر إلى نمط اجتماعي مكتسب يستمر حتى بعد تغير الظروف. كما أشارت المقابلات إلى استمرار مخاوف مرتبطة بالانتماء إلى مناطق معينة [6]، والخوف من تكرار ممارسات كانت مرتبطة باتحاد الطلبة السابق، مثل كتابة التقارير “رغم معرفتي أن اتحاد الطلبة تغير، ولكن لدي تردد من المشاركة” [5]. إضافة إلى وجود مخاوف من الوصمة المرتبطة بالانتماء الطائفي “أتجنب المشاركة بسبب أنى من خارج محافظة حلب وأنتمي إلى طائفة كانت محسوبة على النظام البائد، إضافة إلى ذلك تأكيد من أهلي على من عدم التدخل في أي شي بالسياسة” [3].

وعليه فإن أثر التحول السياسي في علاقة الطلبة بالسياسة لا يمكن فهمه بمعزل عن الذاكرة الاجتماعية المتراكمة؛ إذ إن زوال بعض القيود الرسمية لا يعني بالضرورة زوال الخوف أو الحذر اللذين تشكّلا خلال عقود سابقة، وهذا يفسر جزئياً لماذا قد يكون بعض الطلبة أكثر حرية في التعبير، لكنهم في الوقت نفسه ما زالوا يتجنبون الانخراط السياسي المباشر.

  1. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي:

تحتل وسائل التواصل الاجتماعي موقعاً مركزياً في تشكيل الوعي السياسي لدى الشباب الجامعي، بوصفها فضاءً للوصول إلى المعلومات والتعبير عن المواقف ومتابعة الأحداث السياسية، وتكتسب هذه المنصات أهمية خاصة في سياق سوري شهد خلال المرحلة السابقة تضييقاً على المجال الإعلامي والتعبير عن الرأي.

وتشير المقابلات إلى حدوث تغير واضح في طبيعة المخاوف المرتبطة باستخدام هذه المنصات؛ فقد ذكر أحد المشاركين أنه خلال المرحلة السابقة كانت الفرقة الحزبية داخل الكليات تتابع صفحات الطلاب، وأن التعبير عن الرأي كان محفوفاً بالمخاطر: “في أحد الأيام كتبتُ منشوراً على فيسبوك انتقد عدم توفر الغاز، بعد يومين تم استدعائي إلى أحد دكاترة الكلية وطلب مني حذف المنشور إلا سوف يتم إحالة لجنة تأديبه أو الأمن”[3]. في المقابل أشار مشارك آخر إلى أن الخوف في المرحلة الحالية أصبح مرتبطاً بدرجة أكبر بالتشهير أو إساءة فهم التعليقات والمنشورات[5]. كما أوضح مشارك آخر أن المشاركة السياسية عبر مواقع التواصل أصبحت أفضل، مع استمرار الحذر من أن يؤدي منشور أو تعليق إلى إثارة نزعة بين الفئات المختلفة :”قبل سقوط النظام البائد بعامين كتبتُ منشوراً على فيسبوك انتقد الواقع المعيشي فقط وأني أفكر بالسفر خارج البلاد، ومنشوراً حول نسبة الرسوب بالكلية. بعد مرور فترة تم استدعائي إلى الفرقة الحزبية وطلبوا مني حذف المنشور والفيسبوك وكتابة تعهد بعدم نشر أي شي” [6].

وتشير هذه المعطيات إلى انتقال طبيعة القيود من الخوف من الرقابة السياسية المباشرة إلى مخاوف اجتماعية ورقمية أكثر تعقيداً؛ ومن ثم فإن اتساع مساحة التعبير الرقمي لا يعني بالضرورة أن جميع الطلبة أصبحوا أكثر استعداداً للتعبير، فاحتمال التعرض للتشهير أو سوء الفهم أو الدخول في صراعات اجتماعية قد يدفع بعضهم إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية، حتى في ظل اتساع حرية التعبير [3،5،6].

  1. المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي:

تشكل المشاركة المجتمعية أحد أبرز المجالات التي ظهر فيها تغيُّر في سلوك الشباب بعد التحول السياسي؛ فقد أظهرت المقابلات أن العمل التطوعي كان في المرحلة السابقة مرتبطًا بدرجة من الخوف والحذر نتيجة الرقابة الأمنية، الأمر الذي حدّ من استعداد بعض الشباب للمشاركة فيه [5]. أما بعد سقوط النظام فقد شهدت البيئة المحلية توسعًا في المبادرات التطوعية، شملت تنظيم المرور، وتنظيف الشوارع، والمساعدة في توزيع المواد الإغاثية، وشارك فيها عدد من طلبة الجامعة  [5،6].

وتكتسب هذه المشاركة أهمية تحليلية؛ لأنها تشير إلى أن الابتعاد السابق عن السياسة لم يكن يعني بالضرورة غياب الرغبة في المشاركة العامة، وإنما قد يكون مرتبطاً بطبيعة المجال الذي كانت تتم فيه المشاركة، فقد وجد بعض الطلبة في العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية وسيلة أكثر أماناً وواقعية للتأثير في محيطهم، حتى إن بعض المشاركين اعتبروا هذه الأعمال شكلاً من أشكال المشاركة السياسية [3،4].

ومع ذلك أظهرت المقابلات أن هذا الارتفاع لم يكن مستقرًا؛ إذ تراجعت المشاركة لاحقاً لدى بعض الطلبة نتيجة الالتزامات بالعمل الخاص وضعف الدعم المقدم للمبادرات والفرق التطوعية [3،4،5]. وعليه فإن التحول السياسي أتاح فرصة أولية للانتقال من حالة الابتعاد والخوف إلى المشاركة المجتمعية، إلا أن استمرار هذه المشاركة يتطلب بيئة مؤسسية ومادية قادرة على دعم المبادرات الشبابية [3،4،5،6].

  1. التحولات المؤسسية والإدارية داخل جامعة حلب:

لم تقتصر التحولات التي أعقبت التغيير السياسي على المجال السياسي والاجتماعي خارج الجامعة، بل امتدت إلى البيئة الجامعية نفسها، من خلال مجموعة من التغيرات الإدارية والطلابية، من بينها: ظهور اتحاد الطلبة الجديد، والإدارة الجامعية الجديدة، ودمج جامعة حلب الحرة بكادرها وطلبتها ضمن جامعة حلب الأم.  وتمثل هذه التحولات متغيراً مهماً في فهم علاقة الطلبة بالسياسة؛ لأنها تعيد تشكيل البيئة التي يمارس فيها الطالب علاقته بالمؤسسة الجامعية وبالمشاركة العامة.

وتكمن أهمية هذه التحولات في أنها قد توفر للطلبة قنوات جديدة للتعبير والتنظيم والمطالبة بالحقوق، بعد أن كانت المشاركة الطلابية في المرحلة السابقة محكومة بدرجة كبيرة بأطر تنظيمية رسمية ومحدودة. ومن هذه الزاوية يمكن أن تسهم المؤسسات الطلابية والإدارية الجديدة في تقليص الشعور بالعجز السياسي وتعزيز الإحساس بالقدرة على التأثير إذا شعر الطلبة بأنها تمثل مصالحهم وتستجيب لمطالبهم.

لكن وجود مؤسسات جديدة لا يعني بالضرورة تغيراً تلقائياً في علاقة الطلبة بالسياسة؛ فالأهمية الحقيقية تكمن في كيفية ممارسة هذه المؤسسات لدورها ومدى تمثيلها للطلبة وفاعليتها في الاستجابة لمشكلاتهم، فإذا بقيت المشاركة ذات طابع شكلي أو لم يشعر الطلبة بأن أصواتهم تحدث أثراً حقيقياً؛ فقد تستمر بعض مظاهر الاغتراب السياسي رغم تغير البنية المؤسسية. لذلك ينبغي النظر إلى التحولات الجامعية ليس بوصفها دليلاً جاهزاً على زيادة المشاركة، وإنما بوصفها فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الطالب والمؤسسة على أساس المشاركة والثقة والفاعلية.

وأخيراً تكشف المقابلات التي تم إجراؤها أن هذه العوامل لا تعمل بصورة منفصلة؛ فالطالب الذي يواجه ضغوطًا اقتصادية، وينتمي إلى أسرة ما تزال تحذره من الحديث السياسي، ويحمل ذاكرة سابقة من الخوف قد يبقى بعيدًا عن المشاركة رغم اتساع هامش الحرية. وفي المقابل فإن الطالب الذي يجد مساحة أكبر للتعبير، ومؤسسات جامعية أكثر انفتاحاً، وفرصاً للمشاركة المجتمعية قد يكون أكثر استعداداً للانخراط في الشأن العام.

الخاتمة:

تكشف هذه المقالة أن التحول السياسي الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام السابق مثّل فرصة لإعادة تشكيل علاقة الشباب الجامعي بالشأن العام، إلا أن هذه العلاقة ما تزال محكومة بتأثيرات الاغتراب السياسي المتراكم عبر عقود، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ما تزال تؤثر في اتجاهات الطلبة نحو المشاركة السياسية. وقد أظهرت نتائج المقابلات أن تغير البيئة السياسية، على أهميته، لا يكفي وحده لإحداث تحول جوهري في سلوك الشباب السياسي، ما لم يترافق مع بناء مؤسسات فاعلة، وتعزيز الثقة بالمجال العام، وتوفير قنوات حقيقية وآمنة للمشاركة.

كما تؤكد حالة طلبة جامعة حلب أن اتجاهات الشباب نحو السياسة ليست ثابتة، بل تتشكل في ضوء تفاعل خبراتهم السابقة مع واقع المرحلة الانتقالية وتصوراتهم لمستقبلها؛ فإن تعزيز المشاركة السياسية للشباب لا يرتبط فقط بتوسيع الحريات، وإنما أيضا بقدرة الدولة والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني على ترسيخ بيئة تشجع الحوار، وتدعم المشاركة، وتعزز شعور الشباب بأن آراءهم يمكن أن تسهم في صنع القرار.

وأخيراً تمثل هذه المقالة محاولة أولية لفهم اتجاهات الشباب الجامعي في مرحلة انتقالية استثنائية، الأمر الذي يستدعي إجراء دراسات أوسع تشمل جامعات ومناطق سورية مختلفة، بما يسمح بتكوين صورة أكثر شمولًا عن تحولات الوعي والمشاركة السياسية لدى الشباب السوري خلال السنوات القادمة.

التوصيات:

في ضوء نتائج المقال يمكن اقتراح التوصيات الآتية:

  1. تعزيز مشاركة الشباب الجامعي في الحوارات الوطنية وآليات صنع القرار، وإتاحة قنوات مؤسسية تمكّنهم من التعبير عن آرائهم والمساهمة في القضايا العامة.
  2. دعم الجامعات أن تكون منطلقاً محايداً بحيث تكون مكاناً للحوار والتثقيف المدني، وتشجيع الأنشطة الطلابية التي تنمّي قيم المواطنة والمشاركة والمسؤولية المجتمعية.
  3. تعزيز الثقة بالمؤسسات العامة من خلال ترسيخ مبادئ الشفافية، وإشراك الشباب في مناقشة السياسات التي تمسّ حياتهم، خاصة في مجالي التعليم واتخاذ القرار.
  4. تطوير برامج للتوعية السياسية والإعلامية تستهدف الشباب بما يعزز التفكير النقدي، ويرفع الوعي بالمشاركة السياسية المسؤولة، ويحدّ من تأثير المعلومات المضللة.
  5. إجراء دراسات دورية لرصد اتجاهات الشباب الجامعي نحو المشاركة السياسية خلال المرحلة الانتقالية، مع توسيع نطاقها لتشمل جامعات ومناطق سورية مختلفة، بما يوفر بيانات تساعد صناع القرار في بناء سياسات أكثر استجابة لاحتياجات الشباب.
  6. تشجيع التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني لإطلاق مبادرات وحوارات شبابية تسهم في تعزيز المشاركة المجتمعية وترسيخ ثقافة الحوار.
الجنس
كلية \ معهد
تاريخ
الرمز
ذكر
كلية طب بشري
13/7/2026
3
ذكر
كلية التربية
20/7/2026
4
أنثى
كلية الحقوق
22/7/2026
5
أنثى
معهد الطبي
25/7/2026
6

المراجع :

  1. حارص صابر، وعزة عبد العزيز،(2008) تراجع أداء الصحفيين والصحفيات العرب الأسباب والمظاهر والمخاطر العربي للنشر والتوزيع 23.
  2. Priscilla Southwell, “Political Alienation (2012) Behavioral implications of efficacy and Trust in the US presidential elections”, Review of European Studies pp.71-77
  3. مقابلة قام به الباحث مع (3) بجامعة حلب.
  4. مقابلة قام به الباحث مع (4) بجامعة حلب.
  5. مقابلة قام به الباحث مع (5) بجامعة حلب.
  6. مقابلة قام به الباحث مع (6) بجامعة حلب.
الموقع الإلكتروني |  مقالات الكاتب

إجازة في الإرشاد النفسي جامعة حلب 2024
طالب ماجستير بالإرشاد النفسي بجامعة حلب
اختصاصي نفسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى