أقلام المنتدى

هل تنتهي “ممنوعات” الشيخ إمام؟.. اعتياد القمع؛ قراءة في إرث القمع بعد سقوط نظام الأسد ومسارات تفكيكه

يتجاوز أثر النظام القمعي بخطره الرعبَ الآنيّ، وتتحول آليات الانسحاب والاستسلام والتجنّب التي يلجأ إليها المرء خوفاً من النظام القمعي إلى عادات يومية وسلوكيات؛ تبدأ وسيلةً للنجاة في وجود خطرٍ ما، ثم تصبح تصرفات تلقائية تستمر بعد زوال الخطر؛ وهكذا يعيد القمع إنتاج نفسه ويمتد إلى الوعي وطريقة التفكير ومحاكمة الحياة.

يعالج هذا المقال مفهوم إرث قمع نظام الأسد النفسي والاجتماعي، وكيف تشرّب المجتمع السوري الممارسات القمعية في سلوكياته وعقليته، ولماذا قد يستعصي تغييرها حتى بعد زوال مسببها، وما الخطوات العملية التي بالإمكان العمل على تفكيكها. وذلك بالاعتماد على المنهج التحليلي في سبر الأكاديميات المرتبطة بالسياق، بالإضافة إلى المنهج المقارن في عرض تجارب لدول مرّت بظروف مشابهة تعاملت معها بطرق مختلفة، والدروس المستفادة من تلك الطرق.

قبل أن نتناول مفهوم إرث القمع؛ ما الذي يجعل نظام الأسد قمعياً من الأساس؟

حكم نظام الأسد سوريا طوال ٦٠ عاماً -وما سبقها من مقدمات لحكمه- وفق ثلاثة مرتكزات أساسية، هي: الطائفية والفساد، والعنف اللا محدود[1]. فأما الطائفية فتتجلّى في بناء المنظومة الأمنية اعتماداً على تجييش طائفة بعينها وإقناعها أن دفاعها عن النظام الحاكم هو دفاع عن وجودها وكينونتها، وزوال نظام الأسد سيعني زوالها بالضرورة.

وأما الفساد فيظهر في أصغر مفاصل الدولة ومؤسساتها حتى أكبرها، يُشجَّع وجوده ويترقى مرتكبوه، لابتزازهم لاحقاً بملفات الفساد التي قد تودي بهم، وبهدف تمرير قرارات وأجندات من خلال ذلك الابتزاز. وأما العنف اللا محدود فقد تغوّلت سلطة الأسد في أساليب العنف ومستوياته، من القتل خارج إطار القانون إلى الإخفاء القسري والوفيات بسبب التعذيب واستخدام الأسلحة المدمرة كالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيمائية والذخائر العنقودية والأسلحة الحارقة، إضافةً إلى التهجير القسري[2]، وما يحمله كل ذلك من تفاصيل منتهكة للشعور الإنساني. لم تقتصر تلك الممارسات على فئة بعينها، بل امتدت خارج كل حدّ يمكن استيعابه، وعاش معها الإنسان السوري عبر أجيال في خوف دائم من عنف اعتباطي مباغت، وحالة تهديد مستمرة لأمنه وصحته وأسرته، في مواجهة غير متكافئة يقف أمامها عاجزاً تماماً، عجزٌ يشبه عجزه أمام غوائل الطبيعة المهيبة الوحشية، يتخلى فيه عن المجابهة منسحباً أو مستسلماً أو متجنباً؛ إما طلباً للسلامة، وإما خوفاً من سوء العاقبة، وإما يأساً من إمكانية الظفر والتصدي[3]؛ فيصبح بكل ذلك إنساناً مقموعاً تحت حكم نظام قمعي!

“ممنوع من السفر، ممنوع من الغُنا، ممنوع من الكلام، ممنوع من الاشتياق، ممنوع من الاستياء، ممنوع من الابتسام.. وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات.. وكل يوم بحبك أكتر من اللي فات”؛ كلماتٌ كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم منذ أكثر من ٤٠ عاماً منفعلاً بعد إعادته من الحدود ومنعه من السفر، ليغنّيها بعد ذلك الشيخ إمام وتصبح طوال تلك السنين واحدةً من أيقونات أغاني المخذولين من أوطانهم. ولكن ماذا لو توقفت الممنوعات عن كونها ممنوعات؛ هل سيشفي ذلك بمفرده الشعورَ العميق بالقهر؟ وهل سيتكفل بتغيير حالة “الممنوع” التي انتقلت من المراسيم إلى الأذهان والسلوكيات اليومية؟

أُطفئ المذياع بعد ستين عاماً وأُعلن انتهاء زمن الممنوعات بتوقف صوت الشيخ إمام؛ لكنّ صداه ما زال يتردد بشكل أو بآخر.

تَرِكة قمع نظام الأسد الاجتماعية والنفسية:

يشيع افتراض أن المرء يصبح “أقوى” أو “أكثر أخلاقية” حين يمرّ بتجارب صادمة أو صعبة، لكن الحقيقة أن التجارب الصعبة قد تتركنا مدمرين ومشتتين، وقد تزرع أحقاداً ورغبات كامنة بالعنف؛ فما يجعلنا أقوى هو الاعتراف أولاً بوجود تلك الصدمات وأثرها، ومن ثم العمل للتعافي منها. يشبه الأمر حالة سقوط نظام قمعي؛ فلن تصبح المجتمعات “أفضل” بمجرد انتهاء حكم ذلك النظام، بل ربما سيتركها ذلك في حالة متخبطة من آثار القمع، وتحتاج وقفةً ووقتاً كافياً وتدخلاً مدروساً كي تتعافى.

تتبدى مظاهر عديدة لتلك الحالة المتخبطة في المجتمع السوري؛ إذ يظهر التماهي بالمتسلط[4]، وهو حالة تنقلب فيها الأدوار بين القامع والمقموع، ليصبح المقموع قامعاً في الدوائر التي له سلطة عليها كمنزله أو مكان عمله، وقد تتطور الحالة ليصبح سلوكه العنيف موجهاً نحو جمهور أو جماعات، لا نحو أفراد في الدوائر المقربة فقط؛ فنرى الذي كان مقموعاً بالأمس يبطش ويتعالى ويزدري بالآليات نفسها التي كان يرفضها ويحاول تجنب أثرها، وربما يبرر أفعاله بالآليات ذاتها التي كانت تُستخدم لتبرير قمعه.

يخلق النظام القمعي حالةً من الرقابة المستمرة بين أفراد المجتمع، وفي حالة النظام السوري كانت المنظومة الأمنية قائمةً بشكل أو بآخر على التقارير الكيدية، فكان الكلام محسوباً و”الجدران لها آذان” حتى بين الأصدقاء المقربين وأفراد الأسرة الواحدة. ويؤدي ذلك لفقدان الثقة ولشعور عام بالشك بين الأفراد ووضع حدود للكلام اليومي المعتاد، تتطور لتصبح رقابةً ذاتيةً يراقب فيها المرء أفكاره وأقواله من تلقاء نفسه، ينعكس ذلك لاحقاً بمستويين: الأول هو التطبّع بحالة الرقابة الذاتية والمجتمعية حتى دون وجود عامل خطر؛ يخشى الناس التعبير أو المساءلة أو حتى إبداء الآراء خوفاً من الخطر اللا محدود الذي قد يعود لينتقم، وتُبنى العلاقات هشةً بوجود الشك المزمن بين الأفراد أو الجماعات، والثاني هو تطور تلك الحالة من المراقبة في الأقوال والأفكار لتصبح انخفاضاً في سقف المسموح من الأفعال، فيتجنب الناس النقاشات العامة التي تمسّ حياتهم، ويصبح الشأن العام مجالاً خطراً يُمنع الحديث عنه، ثم ينسحبون فعلياً من المشاركة فيه وتأخذ الحياة شكلاً مُسيّراً لا يشعر فيها الأفراد بأية مسؤولية تجاه ما يتعلق بحياتهم، ويحتفلون بأي حقوق يتلقونها على أنها مكرمات لا مستحقات.

لماذا يستعصي تفكيك ذلك حتى بعد زوال نظام الأسد؟

للحالة السورية خصوصية في سياق القمع؛ إذ إن ستين عاماً من نظام الأسد تعني ما يقارب ثلاثة أجيال، نشأت وكبرت وربما ماتت في حالة واحدة من الحكم والقمع الممنهج، منها ما كان حادّاً ومباشراً في العنف كالمجازر والقتل الجماعي خارج إطار القانون، ومنها ما لُقن بنعومة -إن صح التعبير- عبر المناهج الدراسية ووسائل الإعلام والمنظمات الموالية؛ إذ كان الإعلام في عهد نظام الأسد أداةً لإيصال رسائل النظام ونشر سردياته، فروّج لمفهوم القائد الواحد المخلّص، وقسّم المواطنين إلى موالين، فهم صالحون بالضرورة، ومعارضين؛ فهم حتماً متآمرون خونة، وربط الاستقرار بطاعة أوامر السلطة التي تكافئ المواطنين تكرماً عليهم بمنحهم حقوقهم[5].

قد يستمر مَن تعرضوا للقمع بنوعه المُلقّن بتبنّي سرديته؛ إذ تعزّز تلك الرسائل شعور التقوقع على الجماعة الواحدة وتبنّي تصورات مشوهة عن التشاركية والعيش المشترك، وقد ينشأ لديهم حنين بشكل أو بآخر لما كان الوضع عليه في وجود النظام القمعي، ولا يؤمنون بصدقٍ بفكرة التغيير أو بوجود مسار مختلف عن القمع يسود فيه القانون والشفافية والمساءلة، وتُحترم الحقوق والحريات، ويشارك المواطنون في صياغة شؤونهم العامة[6].

إضافةً إلى ذلك لم تهدأ أعوام حكم نظام الأسد من محاولات الإصلاح والتغيير، ولكن قُوبلت جميعها بمختلف المناطق التي بادرت بها ومختلف الفئات المشاركة ومختلف السياقات بعنف وقمع وإرهاب حادّين. يدخل ذلك العنف والقمع الممنهجَين ضمن تعريف الأحداث التي قد تسبب صدمات نفسية[7]، ويُفسّر ذلك بأنه إذا تعرض الإنسان لحدث مهدد لحياته، سواءٌ تعرض له مباشرةً أو كان شاهداً عليه أو علم أنّ أحد أحبائه قد تعرض له، يدخل في صدمة نفسية وآثار نفسية محتملة قد ترقى في بعض الحالات لاضطراب ما بعد الصدمة، وتحبسه في حالة من العجز وفقدان السيطرة، ليس لمجرد أنه تعرض للحدث؛ بل لأنه لم يستطع إيقافه أو منع تكراره.

وفي حالة العنف اللا محدود وما يولده من شعور بالضآلة _كعنف نظام الأسد_ يتطبع الإنسان بفكرة أن أفعاله لا تأثير لها، ويصبح ذلك هو سلوكه التلقائي حتى بعد زوال “الصدمة” أو النظام القمعي، فيظل محبوساً بشعوره في الاستجابة الدفاعية التجنبية رغم زوال الخطر، ويعجز عن البدء بمسارات تنموية أو مبادرات تجعل واقعه أفضل.

بالعودة إلى طبيعة حكم نظام الأسد المستغرقة في شدة العنف، وطول المدة التي عاشها المجتمع في ألم وقهر عميقين، واكتساب جدوى العيش عن طريق المقاومة؛ قد يصبح الألم جزءاً أصيلاً من الهوية المجتمعية، ويتحول ذلك الألم من حالة عابرة إلى عدسة يرى المجتمع نفسه من خلالها، لدرجة تمنعه من العيش في الحاضر ذي المعطيات المختلفة. وقد تكون اللامبالاة والبرود اللاحقَين أدلةً على استمرار وجود الألم وتكيّفه إلى شكل جديد مع تغيُّر الواقع المحيط، لأنه لم يأخذ مساحته من التقدير والاستشفاء[8].

كما قد تلجأ المجتمعات إلى منح المعاناة بعداً عاطفياً في محاولة تحمّل فظاعة العنف وعبثيته، فتستخدم الفنون والأدوات الثقافية لإيجاد قيم داعمة مطبطبة على الألم وشاحذة للهمم، تماماً كمثل “كل يوم في حبك تزيد الممنوعات وكل يوم بحبك أكتر من اللي فات” التي غنّاها شيخ إمام. لكن ذلك قد يؤدي إلى التجمع حول المعاناة والألم وحالة الضحية بدل المجابهة والتصدي، واستمرار ذلك التجمع كهوية جامعة حتى بعد زوال مسببات الألم أو ضعفها[9].

أخيراً: يسهم المناخ العام للمرحلة الانتقالية ما بعد نظام الأسد بإبطاء التعافي، أو ربما تعميق الأثر النفسي لإرث النظام القمعي؛ إذ إن هشاشة مؤسسات الدولة وصعوبات عملها قد يعيقان مسارات التنمية أو الإصلاحات، فيتعزز الشعور بلا جدوى محاولات التحسين أو الارتقاء بالشأن العام. كما أن تعثُّر مسارات العدالة الانتقالية يضعف الثقة بقدرة الدولة على المحاسبة أو تحقيق العدالة، وبوجود ذلك ومع حالة التماهي بالمتسلط قد تنشأ دورات جديدة من العنف تؤدي إلى شرائح جديدة من الضحايا وتجعل الواقع أكثر تعقيداً.

ماذا بعد؟ كيف نوقف صدى القمع؟

قد تتشابه التجارب الإنسانية فردياً وجماعياً في جوهرها رغم اختلاف السياقات العامة؛ وذلك في آليات الأذى والخوف المتوارث وإعادة إنتاج العنف، وفي الذاكرة المظلومة والحاجة للعدالة لإكمال المسير. استند هذا المقال على ذلك في دراسة تجارب الشعوب وتحليل تفاعلها للاستدلال على المعطيات التي تحدد إرث القمع، ورغم ثقل التجارب المشتركة إلا أنها نفسها ما يمكن الاستدلال به لإيجاد إمكانيات التعافي وكيفية تفكيك إرث القمع والتحرر منه.

عملت المجتمعات المختلفة وفق مسارات متباينة لتفكيك إرث القمع؛ ففي ألمانيا على سبيل المثال وبُعيد حلّ الجهاز الأمني المسمى “شتازي” وسقوط جدار برلين تركزت الخطوات في الإصلاح المؤسساتي؛ إذ طُبّق العزل السياسي للتعامل مع بعض المرتبطين بالنظام السابق في مجلس النواب، وانطلقت تحقيقات داخلية في كافة الأحزاب السياسية تكشف أرشيف تورطها إن وُجد، وسُنّ قانون لإصلاح القضاء وإعادة تقييم القضاة أو الموظفين في الدوائر العامة للبحث عن احتمال تورطهم في أعمال “الشتازي”، وأُعيد بناء مؤسسات ألمانيا الشرقية وفق النظام القانوني والمؤسساتي لألمانيا الاتحادية؛ ليدل ذلك على نجاح ألمانيا نسبياً في تفكيك البنية المؤسساتية للنظام القمعي[10].

لكنّ الإصلاح المؤسساتي لا يكفي وحده لشفاء إرث القمع بمفهومه الواسع؛ إذ بقي الشعور بالانهزامية والدونية موجوداً لدى سكان ألمانيا الشرقية حتى بعد ثلاثين عاماً من الوحدة، ووُصفوا بأنهم “مغتربون اجتماعياً” لأنهم فقدوا الشعور بألفة المكان الذي اعتادوا عليه ولم يندمجوا بنجاح في ألمانيا الموحدة[11]، وبقيت أطياف واضحة للإرث القمعي الاجتماعي.

يحتاج التعافي إلى الاعتراف بالضحايا وإتاحة سرد التجارب وبناء مساحات آمنة لمشاركتها، كي يأخذ الألم مساحته اللازمة كتجربة صادمة مدمرة ثم يتعافى ضمنها دون أن يتحول لهوية مقيّدة، وهذا ما حدث في جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري؛ إذ أُسست لجان للحقيقة والمصالحة كانت الأداة الرسمية للتعامل مع الانتهاكات المرتكبة، وفّرت اللجان مساحات علنية لتبادل التجارب والسرديات، ومهّدت للاعتراف بالماضي وتوثيق الحقائق التاريخية، كما أسهمت المنظمات المدنية بذلك أيضاً عبر تشكيل ما سُمّي “معهد الشفاء من الذكريات”[12]، الذي عزّز سرد التجارب والقصص وإيجاد القواسم المشتركة بين الأفراد لتشجيع التسامح والمصالحة بين مختلف الأطراف، ولتحويل القصص الشخصية على مستوى الأفراد والجماعات إلى قصص وطنية مشتركة تخفف الشعور عبر الاعتراف الشامل به؛ فأسهمت تلك الإجراءات في تخفيف حدة الشك والعدائية الناتجة عن الموروث القمعي، وهو ما يتقاطع مع مقاومة الانعزال والتقوقع.

للحالة السورية -كما لكل حالة- خصوصيتها وتحدياتها في مواجهة إرث نظام الأسد القمعي؛ إذ تحتاج العديد من مسارات التعافي جهوداً حكومية شاملة كي تنجح وتحقق تأثيراً ملموساً، كدعم خطوات العدالة الانتقالية وصياغة المناسب منها وفق ما يعزز التعافي المجتمعي ويرأب الصدوع الاجتماعية المتشكلة، بالإضافة إلى إصلاح علاقة المواطن بالمنظومة الأمنية على أنها موجودة فعلاً لحمايته لا لملاحقته، يكون ذلك بمحاسبة منتهِكي حقوق الإنسان ممن ينتمون لتلك المنظومة جنباً إلى جنب مع بنائها على أسس وطنية لا منحازة أو مصدّرة لمكونات بعينها.

على المستويين التربوي والإعلامي: يمكن استثمار المنصات لتفكيك الخطاب السلطوي، ليس باستبدال المصطلحات أو حذفها فقط، بل بتنمية الحسّ النقدي وتشجيع التعبير الحرّ وطرح المواضيع بطريقة مستوعبة للسياقات السورية المعقدة ومحتوية لها، تعترف بكافة السرديات وتحاول احتضانها في حكاية جامعة متجاوزة للانقسامات.

وفي جانب الصحة النفسية العامة: يلزم الاعتراف بالعطب النفسي المجتمعي وآثاره، والبدء بوضع مقاربات للدعم النفسي والاجتماعي، بهدف تضمنيها في مختلف سياسات المؤسسات التربوية أو الخدمية أو المجتمعية، وتحويلها إلى تدخل مباشر مدروس، مع بناء الكوادر الاختصاصية القادرة على تخطيط هكذا تدخلات ومن ثم تنفيذها.

ختاماً:

مهما تعمّق التحليل ودُرست الممارسات وسُبرت التجارب المتشابهة فقد يظل التغيير الحقيقي متوقفاً على مستوىً واحد ومعتمداً عليه، مستوى مَن يجلس الآن قارئاً للمقال مومئاً برأسه تأكيداً للجهود الحكومية التي يلزم بذلها، يلزم بذلها فعلاً. لكنّ تفكيك إرث القمع ومواجهة ما خلّفه من عزل للأفراد وزراعة للشك فيما بينهم وتشكيك في قواهم من يبدأ في كثير من الأحيان بقرار شخصي فردي، قرار بإطفاء المذياع وإراحة صوت الشيخ إمام، بالخروج من قوقعة الفردانية والتجنب والانعزال إلى محاولة استيعاب الجروح الشخصية والتجارب الصادمة، وصياغتها في سياق محدد بدل تحويلها لهوية، والتعافي منها بمساعدة تخصصية، وإعادة الإيمان بالقيمة الشخصية وانعكاسها على المجتمع المحيط، ومن ثم المشاركة في المبادرات المحلية الهادفة لبناء الثقة وخلق المساحات الآمنة الموفرة للدعم النفسي وتعزيز التعاضد المقدم من الأفراد وإليهم[13].

إنّ أكثر ما تسعى الأنظمة القمعية لزرعه في نفوس الأفراد أن تقنعهم بأنهم أشياء مجردة في مواجهة البركان القمعي، فتهدم الذات القادرة فيهم، والحل يبدأ من هنا؛ بأن يسعى كل فرد لإعادة بناء قيمته في نظر نفسه، ومن ثم يدرك دوره في الوجود والإسناد المجتمعي وأثر ذلك في شفاء الجروح الجماعية، ويبادر بأدائه.


[1] مقابلة مع جابر بكر – باحث متخصص في دراسات سجون الأسد.
[5] ليزا وادين، كتاب السيطرة الغامضة.
[6] علاء الربابعة وليزا بلايدز، الإعلام السلطوي والتهديدات المشتتة: دروس من ثلاثين عامًا من الخطاب الإعلامي السوري:
[7] شارلوت الخليل ودينيسا كاكوليديس تيودور وكاتالين نيديلسيا، أثر الصدمة العابرة للأجيال في أبناء الجيل الثاني: مراجعة منهجية:
[8] ليزا وادين، سرديات الخوف في سوريا:
[9] ساندرا غاريدو وتوماس إيرولا وكاترينا مكفيران، الاجترار الاجتماعي: التفاعلات الاجتماعية حول الموسيقى لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب:
[11] غاريث ديل – مقالة بعنوان “كيف تستمر الانقسامات بين شرق وغرب ألمانيا بعد 30 عامًا من إعادة التوحيد:
[12] مرسي وانغوي موارا، مقاربات التعافي الاجتماعي المجتمعي في جنوب أفريقيا: دراسة حالة لمعهد شفاء الذكريات:
مقالات الكاتب

متخرجة من كلّيتي الصيدلة والترجمة الإنكليزية في جامعة حلب. مهتمة بالشؤون المجتمعية وناشطة فيها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى