
الأثر النفسي للنزاع على الولاية على نمو الطفل الانفعالي: قراءة تحليلية في ضوء واقع الطفل الاجتماعي للأسرة السورية
مقدمة:
تُعدّ الأسرة الحاضنة الأولى التي تُرسي دعائم التوازن النفسي والانفعالي عند الطفل، إذ تُشكّل العلاقة بينه وبين والديه الأساس الذي تُبنى من خلالها صورته عن ذاته و عن العالم المحيط به، وتعد العلاقة الصحية بين الطفل وذويه الركيزة الآمنة التي تُنمّي قدرته على بناء الثقة والشعور بالأمان والتكيف، وحين تتعرض هذه العلاقة لخلل حاد كما هو في نزاعات الولاية والحضانة على الأطفال، يجد الطفل نفسه في مواجهة تحديات انفعالية تهدّد أمانه النفسي وقد تتجاوز أثرها في اللحظة الراهنة لتمتد إلى مسار نموه النفسي في المراحل اللاحقة من حياته.
وقد شهد المجتمع السوري في المرحلة السابقة قبل التحرير ظروفاً استثنائية صعبة فرضت على الكثير من السوريين ضغوطاً معيشية واقتصادية، وأشارت الكثير من الدراسات إلى تلك المرحلة في حكم نظام الأسد وما نجم عنها من كثرة حالات التفكك الأسري والطلاق والفقد واختلاف الآراء السياسية بين من هو موالٍ للنظام السابق ومن هو معارض له في الكثير من الأسر السورية، هذا الأمر بدوره أدى إلى تفاقم هذه الظواهر، ما ينتج عنها مشكلات نفسية كالخوف والقلق وعدم الشعور بالأمان ضمن بيئة الطفل المضطربة، وهذا أدى بدوره إلى ضياع حقوقه؛ سواء حقه بالتعليم أو غيره وعدم تلبية حاجاته الأولية كطفل.
وعلى الرغم من وفرة الدراسات التي تناولت الأثر النفسي للطفل في حالات الطلاق، إلا أن الأبحاث التي تعنى تحديداً بالبعد الانفعالي لنمو الطفل في سياق نزاعات الولاية، في ضوء نظرية التعلّق وضمن السياق الاجتماعي السوري مازالت محدودة، فتتمثل مشكلة هذه المقالة في التساؤل عن كيفية تأثير النزاع الوالدي حول الولاية على مسار النمو الانفعالي للطفل، وما الآليات التي يترجم من خلالها هذا الأثر إلى اضطرابات نفسية قد تلازمه طيلة مراحل حياته.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم قراءة تحليلية تربط بين الإطار النظري المتعلق بالتعلق والنمو الانفعالي، وبين الواقع الاجتماعي للطفل السوري في ظل الوضع الراهن، محاولة الإجابة عن السؤال الرئيسي: ما أثر نزاع الولاية بين الوالدين على النمو الانفعالي للطفل في ضوء واقعه الاجتماعي الراهن؟
الإطار المفاهيمي:
نظرية التعلق عند “بولبي” وفكرته الأساسية عن الحاجة الفطرية للطفل لرابطة آمنة بمقدم رعاية ثابت:
تنطلق نظرية التعلق عند بولبي من فكرة أن الطفل يولد ولديه ميل فطري لتكوين روابط عاطفية قوية مع أشخاص رئيسيين يقومون برعايته ويؤمنون له الحماية، وخاصة في المراحل الأولى من حياته، كونها حاجة بيولوجية لا تقل أهمية عن الحاجات الجسدية الأخرى، فقد أكد علاقة الطفل بأمه هي بدافع تحقيق الأمان النفسي والبقاء. وبذلك تصبح هذه الرابطة الأولى حجر الأساس الذي ينمو الطفل من خلاله نفسياً وانفعالياً بشكل سليم، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود مقدم رعاية ثابت يستجيب لإشاراته المختلفة، كالبكاء والابتسام، والتي تعد بمثابة سلوكيات فطرية سليمة الغاية منها الحصول على القرب والرعاية[1]. ويشير بولبي إلى أن صورة الطفل عن ذاته والآخرين تتشكل مع الشخص الذي يقوم برعايته، فالطفل الذي مرَّ بتجربة تعلُّق صحية وآمنة يرى نفسه شخصاً محبوباً، ويرى الأشخاص الآخرين محبين، ويمكن بناء الثقة معهم والاعتماد عليهم، ويكون قادراً على التفاعل الإيجابي مع من حوله عندما يكبر، والطفل الذي يكون ضمن بيئة منزلية آمنة يكون أكثر هدوءًا وتعاوناً واستجابة مع جميع أفراد الأسرة، وقادراً على بناء العلاقات مع أقرانه. على عكس الطفل الذي يحظى بتجربة تعلق مؤذية، حيث يكون أكثر عرضة للاضطراب والمشكلات الاجتماعية والعاطفية[2].
أنماط التعلق في نظرية “جون بولبي”:
نمط التعلق الآمن:
يصف طفل يميل إلى الاحتياج عند الانفصال (الفراق) عن الوالد، لكنه يستقبل الوالد عند عودته بتعبير الارتياح مرفوقاً بالبحث عن التقارب والاتصال، ما يسمح له فيما بعد بالعودة للاستكشاف.
النمط غير الآمن- التجنبي:
يصف طفلاً تبدو عليه عدم الحاجة إلى المواساة أو إلى الراحة وعدم التأثر برحيل الوالد ويتجاهله أو يتجنبه عند عودته، كما يظهر غير قادر على استخدام الوالد كمنبع للراحة، فسلوكه يشير إلى الاستقلالية القهرية.
النمط غير الآمن – المتناقض:
وهو يخص طفلاً منزعجاً من وضعية الفراق، هذا الطفل يبحث عن الراحة عند اللقاء ولكن فور ما يحدث الاتصال يتجاهله ويكون غالباً ضمن نوبة غضب أو استسلام معاناة سلبية.
وإلى جانب تصنيفات التعلّق الآمن وغير الآمن، يَرِد تصنيفٌ آخر يُشير إلى التعلّق غير المنظَّم عند بعض الأطفال ذوي التعلّق غير الآمن. يتميّز هؤلاء الأطفال بأن سلوكياتهم وقت القلق لا تعبّر بشكل واضح ومتسق عن استراتيجية واحدة للتعامل مع الضيق، كالبكاء والخوف والتوتر، لكنها تظهر على نحو مشوّش وغير متسلسل، متقطّعة أو غريبة، وقد تتضمن سلوكًا يُفهم كتجمّد مفاجئ أو اقتراب ثم ابتعاد دون انتظام .[3]
من مفاهيم نظرية بولبي “قاعدة الأمن” أو “الملاذ الآمن”:
تُعتبر قاعدة الأمن بمثابة الثقة مع مقدم الرعاية الذي يعد مرجعاً يوفّر السند والحماية، وهذا مهما كان سن الفرد، حيث يمثل التقارب الجسدي في المراحل الأولى من الحياة عاملاً أساسياً يسهم تدريجياً في بناء مفهوم الأمن، الذي يجمع بين البعدين العقلاني والانفعالي.
وانطلاقاً من ثقة الطفل بوجود صورة التعلق واستمرارها، يصبح بمقدوره تكوين قاعدة أمن تمكنه من اكتشاف العالم من حوله. وفي هذا الإطار توجه العوامل المحيطة بالطفل تحركاته بين الابتعاد عن صورة التعلق أو الاقتراب منها، وفقاً لتقديره لمصادر الخطر المحتملة.
كيف يؤثر النزاع على أمان التعلق؟
لا يكمن خطر النزاع الولاية في إبعاد أحد الوالدين عن الطفل فقط؛ بل عندما يدخل مقدم الرعاية ذاته في استجابة تتصف في حالة عدم الثبات. فالوالد الذي كان يمثل وفق نظرية بولبي، بأنه “قاعدة الأمن” والتي يكون فيها المرجع الثابت للطفل يستند إليه كلما أراد استكشاف عالمه يجد نفسه أثناء النزاع مشغولاً بصراعه مع الطرف الآخر، وقد ينجر أحياناً إلى كسب الولاء من الطفل لصفه واستدراجه ضد الطرف الآخر، أو تراجع غيابه الفعلي تبعاً لتوزيع أوقات الحضانة بين الطرفين أو تبعاً لمصالحه الشخصية، ومثل هذا التذبذب وإن بدا غير صريح، يكفي لضرب الركيزة التي يقوم عليها “التعلق الآمن“، وهي إمكانية الطفل في توقع استجابة من يرعاه، فالأمان والطمأنينة عنده لا تبنى فقط من خلال القرب المادي، وإنما من خلال ثبات نمط استجابته معه، ويزيد الأمر تعقيداً حين يتجاوز النزاع إطاره الخاص ليتحول إلى قضية رأي عام نتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصبح قضية الطفل مجرد ترند على تلك الوسائل ويكون أقرب للشفقة من التعاطف معه ومد يد العون الحقيقية له، فبالتالي يجد نفسه إضافة إلى معاناته بمن يرعاه، موضوعاً لأحكام وتعليقات من محيطه، و هو ما يضاعف شعوره بالإحباط وعدم الأمان بدل من أن يوفر سنداً إضافياً، وما أراه في السياق السوري تحديداً، تضاعف هذا الأثر عندما يقترن بظروف استثنائية في التجربة السورية تزيد هشاشة تلك العلاقة، مثل أن يكون أحد الوالدين قد اضطر أثناء قيام الثورة السورية إلى النزوح أو اللجوء خارجاً، وهنا لا تكمن القضية في من يحق له الحضانة، بل في من هو حاضر وقادر على الرعاية، وهو ما يدخل الطفل في تجربة انفصال فعلي عن أحد مصدري تعلقه الأساسيين، ولعل الأطفال الذين عاشوا في المخيمات في شمال غرب سوريا أو في دول اللجوء يمثلون الصورة الأقسى لهذا الواقع، إذ يواجه الكثير منهم نزاع الولاية في ظل غياب تام لأي استقرار سكني أو أسري يخفف من وطأته. ونتيجة لعودة الكثير من السورين لمدنهم و قراهم التي هُجروا منها يعاني الآن قطاع المخيمات من نقص في الخدمات الرئيسية اللازمة للطفل، والتي تعد بمثابة ملاذه الآمن الثاني بعد الوالدين.
كيف تُفسر مظاهر اضطراب التعلق الناتجة عن النزاع؟
في الحالة السورية لا يمكن الجزم بأن اضطراب التعلق يظهر وحده بشكل مستقل في حالات النزاع على الولاية، بل هو متشابك أيضاً بصدمة الحروب والنزوح، فقد خلفت الأحداث الأليمة التي شهدها السوريون، لأكثر من ثلاثة عشر عاماً تشرداً في بلاد اللجوء والمكوث في المخيمات، وكان غالبيتهم تحت خط الفقر ، إلى جانب الصدمات النفسية التي عانوا منها، وغياب الدعم النفسي الاجتماعي، أدى إلى إصابتهم في اضطراب الكرب ما بعد الصدمة(PTSD) ، وفي دراسة لمؤسسة بريطانية نشرت في سنة 2021 تقول فيها إن ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين قد يكونوا مصابين بأعراض نفسية خطيرة بعد أكثر من 10 سنوات على الحرب في سوريا، في حين أن 15 في المئة من هؤلاء يستفيدون من جلسات دعم الصحة النفسية.[4] وأرى أنه في تلك الظروف التي جمعت السوريين بين بيئة فقيرة لمقومات الحياة، وفقد الأمل في المستقبل بعيداً عن موطنهم، هي بيئة حاضنة ومشتعلة لأي نزاعات أسرية بين الزوجين وانفصالهم.
وهنا يتحول نزاع الولاية إلى حلقة إضافية ضمن سلسلة متصلة من الفقدان والاضطراب. وفي ظل هذا التراكب، يمكن قراءة مظاهر اضطراب التعلق عند الطفل السوري وفق ثلاثة مستويات متداخلة:
فعلى المستوى الأول، يظهر التعلق القلق المتذبذب نتيجة تكرار النزوح والتنقل، حيث يفقد الطفل الثقة باستمرارية العلاقة مع مقدم الرعاية، فيطوّر حساسية مفرطة تجاه أي مؤشر انفصال، سواء كان ذلك ذهاباً للمدرسة أو تغيراً بسيطاً في الروتين اليومي.
أما على المستوى الثاني، فيبرز التعلق التجنُّبي كآلية دفاعية، خصوصاً لدى الأطفال الذين عايشوا نزاعاً أسريّاً حاداً أو عنفاً مباشراً من أحد الوالدين، حيث يبدو الطفل هادئاً أو “ناضجاً” بشكل يفوق عمره، بينما يخفي هذا الهدوء كتماً انفعالياً عميقاً.
وعلى المستوى الثالث والأخطر، يتشكل التعلق المفكك حين يتحول مصدر الأمان نفسه (أحد الوالدين) إلى مصدر للخوف، فيقع الطفل في تناقض وجودي بين الحاجة للاقتراب طلباً للحماية والرغبة بالابتعاد هرباً من التهديد، ولعل في ما يجسد في هذا المستوى قضية الطفلة السورية “نور الدوس” بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام السورية تعرضت الطفلة نور الدوس للضرب المبرح على يد والدها بحجة “التربية”، وتوفيت متأثرة بإصابتها، فيما أشارت تحقيقات أولية إلى تورط أحد أفراد الأسرة في التستر على جريمة اغتصاب للطفلة تماشياً مع أعراف اجتماعية سائدة، تحمي هيبة الأسرة على حساب حماية الطفل[5]. تختصر هذه الحادثة جوهر التعلق المفكك بصورته الأشد قسوة؛ فمصدر الحماية الأول (الأب) هو ذاته من أنهى حياة الطفلة، بينما تحوّلت الأسرة الممتدة، التي يُفترض أن تشكل شبكة أمان بديلة، إلى شريك في إخفاء الجريمة حفاظاً على الصورة الاجتماعية. وهنا يتجلى بعد إضافي خاص بالسياق السوري: حين يتقاطع العنف الأسري مع منظومة أعراف تقدّم “سمعة العائلة” أو “سلطة الأب في التربية” على حماية الطفل، يفقد الضحية ليس فقط الأمان داخل الأسرة، بل أيضاً أي احتمال للنجدة من محيطه الاجتماعي الأوسع، وتترافق تلك الاعتداءات مع الطفل طيلة حياته سواء الجسدية أو الجنسية، ويظل التكتم على تلك الجرائم هو السبيل في الحفاظ على سمعة وهيبة العائلة، والأخطر هنا عندما يعطي القانون الضوء الأخضر للعنف على أنه وسيلة للتربية وهو من شأن الأسرة وحدها، ولا يوجد رادع لتلك الأفعال بحق الأطفال وحمايتهم.
كيف تُضاعف خصوصية الواقع السوري من هشاشة التعلق؟
لم يكن من السهل فهم أثر نزاع الولاية على الطفل السوري وخاصة في السياق الذي نشأ فيه، فظروف الحرب والنزوح في الحالة السورية آنذاك، لم تؤد فقط إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسرة ، بل مست الشرط الأساسي الذي يقوم عليه التعلق الآمن وهو (الثبات)، فتكرار حالة النزوح، والانتقال من مكان لآخر مراراً، بحيث يعتاد الطفل عنوةً على هذا النمط من الحياة الذي يتصف بعدم الثبات وهذا النمط قد عاشه الكثير من السوريين سواء في أوطانهم او خارجها على مدار ثلاثة عشر عاماً، وقد ازداد الأمر صعوبة في الرعاية البديلة لأطفال في بلدان اللجوء، ووفق ما كشفت منذ عدة أشهر مذكرات لطفل سوري يكشف فيها عن تعرضه هو وشقيقه للتعذيب والضرب والحرق في السجائر المشتعلة والإساءة والتجويع الشديد على يد زوجين هولنديين كانا قد كفلاهما عندما حاول والدا الطفلان الفرار من سوريا، وعندما يألف الطفل هذا التغير بوصفه قاعدة لا استثناء يجعله أكثر عرضة تجاه أي اضطراب، وحينما يقع نزاع الولاية إلى جانب هذا السياق، يضيف عبئاً انفعالياً جديداً، فيجد الطفل نفسه يواجه ضغطين متزامنين في الوقت نفسه؛ ضغط خارجي فرضته أهوال الحرب واللجوء، وضغط داخلي فرضه خلاف والديه. ومع خروج سوريا اليوم من صراع الحرب، وما رافق ذلك من موجات عودة للكثير من السوريين من بلدان التهجير تحمل هذه المرحلة الراهنة تحدياً مضافاً لا يقل أهمية عما سبق؛ فتعاد هنا الترتيبات الأسرية من جديد بعد سنوات من البعد والانفصال الجغرافي، فيجد الطفل نفسه أمام تحدٍ آخر، مضطراً للتأقلم مع بيئة جديد أو بيئة قد تغيرت ملامحها بالنسبة للطفل، وقد يجد نفسه مع أب أو أم لم يكونا حاضرين طيلة فترة اللجوء، وهذا ما يعيد فتح نزاع الولاية من جديد على أسس مختلفة عما كانت عليه أثناء فترة النزوح، وأرى هنا أنه في هذه اللحظة بالذات يضاف للطفل اختبار مضاعف في إعادة بناء التعلق إلى جانب اختبار التعافي من اضطرابه الأول.
تحليل العوامل الوسيطة:
يختلف أثر نزاع الولاية من طفل لآخر، وتتحكم فيه عوامل وسيطة تحدد شدته، فعمر الطفل عامل حاسم، فكلما كان الطفل أصغر سناً، كان أكثر تأثيراً، خصوصاً دون سن الثالثة، لأن نمط تعلُّقه قيد التشكّل، وأيضاً إن سلوك الوالدين يحدث فرقاً جوهرياً، وعندما يحمي الوالدان الطفل من تفاصيل خلافهما ولا يقحمانه فيه، يظل الأثر محدوداً نسبياً، على عكس ما يحدث حين يتحول الطفل إلى طرف في الصراع أو يستعمل كأداة ضغط بين الوالدين أو ضغط على العائلة الممتدة. ففي إحدى الحالات الموثقة في محافظة حماة لعائلة من الرقة، تم تداول مقطع فيديو لطفل يتيم الأب تعرض للضرب المبرح على يد عمه بسب خلافات مالية وتصوير الحادثة وإرسالها للأم وأقارب الأم بدافع الضرر[6]، ففي تلك الحالات يبقى وجود شخص بديل يوفر الأمان، كالجد أو الجدة، أو شخص يكون أكثر هدوءاً ولطفاً في التعامل مع الأطفال عامل حماية أساسياً يمنح الطفل ملاذاً نفسياً يخفف من هشاشته أمام هذا النزاع أو حمايته من التعرض للأذى بأكبر قدر ممكن.
الخاتمة:
إن ما تُظهره هذه المقالة هو أن نزاع الولاية حين يُختزل في بُعده القانوني أو الاجتماعي فقط، يُغفل خطرًا أعمق يمس جوهر البناء النفسي للطفل، فالتذبذب في استجابة الوالدين، وما ينتج عنه من مظاهر قلق أو تجنب أو عدوانية أو صراع ولاء، ليست ردود فعل عابرة، بل مؤشرات على اضطراب فعلي في علاقة التعلق قد يمتد أثره لسنوات، وفي السياق السوري لا يمكن التعامل مع هذا الخطر بمعزل عن واقع طفل أنهكته الحرب والتهجير، وها هو اليوم يواجه استحقاقًا جديدًا مع عودة كثير من الأسر من بلدان اللجوء، حيث تتصادم إعادة بناء الحياة مع نزاعات ولاية معلّقة منذ سنوات. وإذا كانت بعض العوامل كحماية الطفل من الانخراط في الخلاف أو وجود بديل آمن للرعاية قادرة على تخفيف وطأة هذا الأثر، فإن استمرار غياب الاهتمام الجاد بهذا البعد النفسي، على المستويين الأسري والمجتمعي، ينذر بأجيال من الأطفال يحملون جروح تعلق لم تُلتفت إليها في وقتها.
التوصيات:
بناءً على ما توصلت إليه هذه القراءة التحليلية يمكن اقتراح جملة من التوصيات الموجهة لثلاث فئات رئيسية:
على مستوى الوالدين:
- تجنّب إشراك الطفل في تفاصيل النزاع أو استخدامه وسيلة ضغط أو استمالة ضد الطرف الآخر وفرض عقوبة قانونية على ذلك.
- الحفاظ، قدر الإمكان، على ثبات وانتظام التواصل مع الطفل من الطرفين، حتى في ظل الخلاف القائم بينهما.
على مستوى المختصين والمرشدين النفسيين:
- إدماج تقييم نمط التعلق ضمن أي تدخل نفسي مع أطفال أسر تمر بنزاع حضانة، لا الاكتفاء بمعالجة الأعراض الظاهرة فقط.
- توعية الأهل، عبر برامج إرشادية، بأثر تذبذب استجابتهم الانفعالية على شعور الطفل بالأمان، بعيدًا عن الجانب القانوني للنزاع فقط.
على المستوى المجتمعي والسياسات العامة:
- الأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة بالأسر السورية العائدة من اللجوء عند البتّ في قضايا الحضانة، نظرًا لما تحمله من تعقيدات إضافية غير تقليدية.
- دعم إنشاء مساحات أو برامج مجتمعية تُعنى بدعم الأطفال المتأثرين بنزاعات الولاية، خصوصًا في مناطق النزوح والمخيمات، حيث تغيب شبكات الدعم الأسري التقليدية.
- تتولى المحكمة بالولاية على الأطفال بواسطة القاضي أو إعطاء حق الولاية لأحد الوالدين نظراً لتقييمهم النفسي وكفاءتهم في رعاية الأطفال.
وأخيرًا تبقى الدعوة الأهم موجهة للباحثين: ضرورة إجراء دراسات ميدانية تطبيقية تقيس فعليًا أثر نزاع الولاية على أنماط التعلق لدى عينات من الأطفال السوريين، بما يتجاوز حدود القراءة النظرية التي قدمتها هذه المقالة.
إجازة بالإرشاد النفسي - جامعة الشام العالمية



