
إشكالية العدالة الانتقالية في سوريا: أثر إهدار حقوق الضحايا على شرعية السلطة واستقرار الدولة
المقدمة:
تُشكل العدالة الانتقالية الركيزة الأساسية لإعادة هيكلة المجتمعات الخارجة من أزمات ممتدة؛ إذ تتجاوز كونها مجرد آليات قانونية لمعالجة انتهاكات الماضي لتصبح شرطاً لازماً لإعادة بناء العقد الاجتماعي وتأسيس شرعية الدولة. وفي السياق السوري المحمّل بإرث ثقيل من الانتهاكات الجسيمة والتضحيات البشرية يبرز التعاطي مع حقوق الضحايا بوصفه المعيار الأهم لمدى التزام السلطة الانتقالية بمبادئ العدالة وسيادة القانون؛ إذ إن إغفال هذه الحقوق أو التعامل معها كملف ثانوي يخضع للحسابات السياسية يمسّ مباشرة بالنواة الصلبة للشرعية الثورية والسياسية، ويضع قدرة الدولة على استعادة الثقة المجتمعية على المحكّ.
وفي هذا الإطار يتناول هذا المقال البحثي عبر منهج وصفي تحليلي إشكالية ضعف مسار العدالة الانتقالية في سوريا، مردفاً ذلك باستشراف مآلاتها القريبة والبعيدة المدى. ويستعرض المقال المظاهر العملية لهذا القصور، المتمثلة في غياب الأطر التشريعية الموحدة، والتوسع في التسويات الشفاهية والأمنية، وإطلاق السراح العشوائي لعناصر النظام السابق، فضلاً عن المماطلة في الملاحقات القضائية، وإعادة تدوير بعض نخب العهد السابق. ويهدف البحث إلى تفكيك أثر هذه الممارسات في تقويض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، مؤكداً أن الاستمرار في هذا المسار قد لا يحقق استقراراً مستداماً، وربما يمهّد لتجدّد الاحتقان المجتمعي ويهدّد تماسك الدولة الانتقالية برمّتها.
الإطار النظري:
يُعد مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم التي لا تزال غامضة لدى كثيرين؛ إذ يرى البعض أنها تكييف للعدالة على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض مرحلة انتقال في أعقاب حقبة من تفشّي انتهاكات حقوق الإنسان.
ويُصنف مفهوم العدالة الانتقالية ضمن المفاهيم المركبة؛ إذ يتألف من كلمتين: “العدالة” و”الانتقالية”، ومعنى العدالة لغة المشتق من العدل، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم وضد الجور، والعدل الحكم بالحق، فيقال: هو يقضي بالحق ويعدل. وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، أما الانتقالية فأصلها اللغوي من الفعل “نقل” والذي يعني تحويل الشيء من موضع إلى موضع، ومن ناحية المعنى الاصطلاحي فقد مثَل مفهوم العدالة الانتقالية جدلا أكاديمياً ونظريا حول تفسير معناها بوصفها مفهوما وممارسة، لذا فلا يوجد اتفاق على مفهوم لها، فهي تعتبر من المقاربات الجديدة التي تعنى بمسألة الانتقال بطرق سلمية وبإيجاد مخرج سياسي وقانوني للتعامل مع مخلفات العنف, وتُبنى العدالة الانتقالية وفق مبادئ كشف حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتحديد المسؤوليات بشأنها، وجبر الأضرار المترتبة عليها وتحديد ضمانات عدم تكرارها، وتعزيز السلم المدني والمصالحة الوطنية[1].
ويصف مارك فريمان العدالة الانتقالية بأنها: كيفية معالجة المجتمعات المنتقلة من الاستبداد إلى التشاركية لإرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كالتعذيب والاختفاء القسري، والجرائم الدولية كالإبادة والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات النزاعات المسلحة[2].
وتُطبَّق العدالة وفق آليات عديدة، أهمها:
- الآليات القضائية: تضع القانون الخاص بالعدالة الانتقالية، وتُعنى بالمحاكمات القضائية.
- الآليات شبه القضائية: تهدف إلى إنشاء صورة كاملة لأسباب وطبيعة ومدى الانتهاكات.
- الآليات السياسية والاجتماعية: تُعنى بالمشاورات والإصلاح والسلم[1].
– ضرورة التقدم بالعدالة لتحقيق الشرعية واستقرار الدولة:
في المشهد السوري تتجلى إشكالية الاستقرار والأمن بالربط مع المقاربة النظرية للعدالة الانتقالية؛ إذ لا تنفذ العدالة الانتقالية دائماً بحدّ مثاليّ، خاصة عندما تتعلق الأسباب بتعزيز الشرعية نفسها. وقد تُطبق العدالة بأسلوب براغماتي عندما تخضع لظروف استثنائية، مما يؤدي إلى نقصها وجزئيتها، وفي هذا السياق فإن نمط ضعف العدالة وسياسات تغليب المصالحة قد تؤدي إلى تداعيات تقوّض الإصلاح السياسي المستدام وتعيق التوجه نحو وضع أسس التشاركية في الحكم، وصولاً إلى أن تأخر هذا المسار ربما يؤدي إلى تزهيد معنى الفترة الانتقالية مع مرور الوقت إلى أن تصبح العدالة ذات دلالات مجازية أو مجردة. وتطبيقاً على الواقع السوري يتضح هذا التأخر الناجم عن أبعاد سياسية في إجراءات مثل محاكمة عاطف نجيب والحكم الغيابي على بشار الأسد وما رافقهما من تبعات، وهو ما يشير إلى أن العدالة الانتقالية ورغم ارتباطها بالظروف تحمل أبعاداً ترتبط بفترة الانتقال السياسي[3].
أولًا: أثر إهدار حقوق الضحايا في شرعية السلطة من تجارب دولية – والحالة السورية:
قد تؤدي العدالة الانتقالية القاصرة والخاضعة للتلاعب السياسي إلى الانزلاق نحو مراحل جديدة من العنف والاستبداد، وفي دول كالجزائر والبحرين تعرضت الإجراءات للتلاعب؛ إذ لم تؤدِّ لإصلاحات اجتماعية واقتصادية كافية، كما أنها لم تُنفذ إلا بقدر محدود، بالإضافة إلى عدم اكتمال إجراءات المساءلة، ومع الإصلاح المحدود فإن مخاطر أُنتجت كفيلة بأن تودي بالاستقرار أو أن تعيد العمل بنفس آليات المؤسسات القمعية السابقة. وقد تفاوتت التعاطيات مع آليات العدالة؛ فبينما استُعين بالمحكمة الجنائية الدولية في سياقات عنيفة تلت الفترة الانتقالية في السودان والكونغو الديمقراطية، اقتصر التغيير في مصر على إزاحة وجوه النخبة الحاكمة مع بقاء الدولة العميقة والقيود القضائية، أما البحرين فكأنه لم يجرِ فيها أي تغييرات؛ وبذلك تكون قضايا المساءلة قد أثيرت لوقت قصير قبل أن تُنسى وتستغل للإيحاء بحدوث انتقال سياسي ناجح لكن مع بقاء قيادات سابقة في السلطة[4].
لم تقدم تجارب الشرق الأوسط للعفو والمساءلة وتقصّي الحقائق مساهمات ذات مغزى في تحقيق السلام أو العدالة؛ إذ أدى التطبيق الصوري لهذه المنهجيات من الحكومات، في سعيها المزعوم للسلام والعدالة، إلى إدامة الظلم وعدم الاستقرار، وهذا لا يعود للجهل أو ضعف الكفاءة، بل لتوظيف تلك الحكومات آليات العدالة الانتقالية لتعزيز سلطتها لا لترسيخ السلام أو العدالة.
وإن العدالة الانتقالية كعملية حساسة لا يكفي التفكير بها من بُعد قانوني محض فحسب؛ فهي تقترب من تجارب أخرى عملية ذات طابع سياسي واجتماعي واستراتيجي. وتُظهر تجربة اليمن أنه رغم حصول انتقال عبر نموذج تفاوضي للسلطة فإنه لم تطلق عمليات مساءلة عن الانتهاكات، وتقديم حصانة لأركان النظام السابق، لتصبح النتائج أقرب لجهة الانقلاب على العملية الانتقالية وتعطيل الخطوات الأولى في العدالة، ثم انزلاق البلاد في حالة أشد قسوة من حيث الانتهاكات. وتُظهر تجارب الدول العربية غير المكتملة (ليبيا واليمن) أولوية توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية وقدرة السلطات الانتقالية على احتكار القوة كشرط تأسيسي لإطلاق مسارات العدالة الانتقالية، إلى أن تغدو جهود العدالة الانتقالية مجرد عملية غير ذات جدوى. وتبدو السمة العامة للتجارب العربية هي الإفلات من العقاب بأساليب متعددة، كالتوجه نحو المصالحة في المغرب، أو استخدام قوانين عفو في ليبيا، أو قانون الحصانة كثمن تفاوضي في اليمن؛ لتكون النتيجة أن التساهل في المساءلة لم يكن ثمنا كافياً لتحقق الاستقرار[5].
وبالنظر إلى تجارب غير عربية يظهر أن تحقيق العدالة يواجه تحديات تتعلق بالموازنة بين إنصاف الضحايا وإنزال العقاب بأعداد كبيرة من المتورطين بارتكاب الجرائم، وبين تحقيق الاستقرار المجتمعي، بالتزامن مع تعقيدات المراحل الانتقالية. وفي هذا السياق تزايدت المطالبات بإيجاد نظام للمساءلة، خاصة عن الانتهاكات الجسيمة، وضمان منع تكرارها، بينما شهدت دول عديدة ضعفاً في آليات المساءلة على ارتكاب الانتهاكات، وتبرز التجارب الدولية تفاوتاً في تطبيق هذه الآليات؛ إذ كانت المساءلة في شقها القضائي مميزة في حالة رواندا، بينما اتسمت التجربة الألمانية بوضوح المساءلة السياسية والإدارية[6].
ولا يمكن عزل الساحة السورية عن تجارب العدالة الانتقالية المذكورة؛ فهي تتقاطع مع بعض منها جغرافياً، وتتشابه مع أخرى في السياق والأطر القانونية والمؤسسية. ورغم حلّ مؤسستَي الجيش والأمن في سوريا عقب سقوط النظام البائد إلا أن بعض الكوادر السابقة ظلت حاضرة، وإن لم تكن عسكرية أو في الظل، حيث فتحت الأجهزة الجديدة أبوابها لعناصر أمنية سابقة، واستُعين بمسؤولين بارزين من العهد السابق في مناصب وزارية وإدارية[7].
وعلى صعيد العدالة ككل لم تقتصر المشابهة مع التجارب السابقة على كونها تُثار مؤقتاً، بل يُلاحظ أحياناً خضوعها لردود الفعل الشعبية، واستغلالها للتغطية على أزمات سياسية، وأحيانا لرفع الثقة المجتمعية. وفي هذا السياق وصف البعض الإجراءات والمحاكمات بأنها “استعراضية”[8]، وأنها تؤدى للإيحاء بتطبيق القانون، فضلاً عن الانتقائية في الاعتقالات التي تكشف عن غياب المنهجية أو المعايير المتبعة للحساب والترك.
إن ضعف العدالة الانتقالية بشكل عام لا ينعكس سلباً على تطبيق العدالة فحسب، بل يمسّ بدرجة أو بأخرى شرعية السلطة الجديدة سياسياً وثورياً، ويمكن فهم الإبقاء على كوادر سابقة -بمختلف أشكالها- أنه حرص على استمرار شبكات المصالح المتبادلة بينها وبين السلطة، وهو ما قد يُقرأ كإعادة إنتاج لأسلوب الحكم السابق، بما يرفع احتمالية تآكل الشرعية وبروز مخاطر تهدد الاستقرار[9].
ويشير غياب المنهجية الواضحة للعدالة الانتقالية إلى إمكانية توظيفها كأداة تُستغل سياسياً عند الحاجة، ومع تكرار الاحتجاجات فإن تداعي القناعة بجدوى هذه المسارات يُخشى أن يمهد لموجات غضب شعبية أشد أو خارجة عن سيطرة الحكومة، بما يُعرض الاستقرار العام للاهتزاز، وينعكس سلباً على اعتراف المجتمع بشرعية الدولة والاستقرار.
ثانيًا: مظاهر ضعف العدالة الانتقالية؛ إفلات المجرمين وإهدار حقوق الضحايا:
أفرجت السلطات السورية عن أعداد كبيرة من ضباط وعناصر “جيش بشار الأسد” بعد توقيفهم دون محاكمات، مما أثار تساؤلات حول قدرتها أو رغبتها في تطبيق العدالة الانتقالية، وأجرت تسويات واسعة لآخرين شملت قيادات بارزة، ولم تفصح الجهات المعنية عن نهجها في العدالة الانتقالية، بينما تؤثر الاعتبارات السياسية والأمنية والمواقف الخارجية في مسارها. ويتجلى ذلك في اعتقال شخصيات دينية سنّية مؤيدة للنظام البائد، مثل أحمد حسون، مقابل عدم ملاحقة رجال دين مسيحيين ودروز أيّد بعضهم النظام البائد أو بارك التدخل الروسي. وتفاوضت الحكومة السورية مع شخصيات ذات صلة بقيادات النظام البائد، مثل الشيخ حكمت الهجري المرتبط به “مجلس السويداء العسكري” الذي يضم ضباطًا سابقين، كما استعانت بقيادات سابقة، منهم فادي صقر، لإخماد حالات تمرد، رغم الاتهامات حينها بتجاهل العدالة الانتقالية. وتواصل الحكومة السورية نهج الاحتواء والمصالحة بفتح باب عودة ضباط سابقين، تغليباً للاستقرار على المساءلة، وفي المقابل تعلن بين حين وآخر اعتقال قيادات قليلة متورطة بالانتهاكات، بالتوازي مع عقد المصالحات والعفو عن آخرين[10].
إن غياب مسار جدّيّ للعدالة الانتقالية يضعف الثقة بالقانون، ويؤدي لإفلات مجرمين من العقاب، ويغذّي الانتقام الفردي والعنف، ويهدّد بناء الهوية الوطنية. كما يؤدي غياب العدالة لأن يخلق نمطاً يومياً قاسياً من التعايش القسري بين الضحايا والجناة في الحي الواحد، وأحياناً في المؤسسة نفسها، ومع غياب آليات فعالة لكشف الحقيقة والمحاسبة يواصل بعض الجناة حياتهم دون مساءلة؛ مما يعمّق شعور الضحايا بالظلم، وكلما تأخرت العدالة يصبح وجود الجناة في المجال العام أمراً طبيعياً، بما يكرّس تطبيع الجريمة[11].
ولم تُنشر المعايير التي استندت إليها قرارات العفو والإفراج السابقة، كما جرى تجاهل حقوق الضحايا في المعرفة والمشاركة في اتخاذ القرار، مع استخدام مبررات عامة وغير محددة، فأسهمت هذه الممارسات في تقويض الثقة المجتمعية نتيجة اتخاذ قرارات خارج الإطار القانوني، بما يسهم في إعادة إنتاج أسباب النزاع[12].
تشير المعطيات السابقة إلى أن ملف العدالة الانتقالية قد لا يحتل صدارة أولويات السلطة في المرحلة الحالية؛ إذ يُلاحظ نوع من التساهل أو الإفراج عن بعض الموقوفين دون توضيحات إجرائية كافية، وهو ما يرتبط بتغليب خيار المصالحة لاعتبارات سياسية، أو بتوظيف ملف العدالة لخدمة الاستقرار السياسي، في ظل ضبابية بالمعايير، خاصة في ملف التسويات.
ومن الناحية التحليلية يُرجح أن يعكس هذا النهج اهتماماً بتوازنات أمنية واجتماعية على حساب العدالة، مثل الحرص على إبقاء مناطق حواضن النظام البائد في حالة هدوء، تحسباً لأن تؤدي المحاسبة إلى إثارة احتجاجات أو تمردات، كما قد يفسر غضّ الطرف عن مجرمين لهم انتماء عائلي أو عشائري على أنه رغبة في تحاشي المواجهة واستمرار التعاون مع تلك الجماعات. فضلاً عن ذلك تتجه بعض التقديرات إلى أن السلطة ربما تُفضل تركيز كوادرها ومواردها نحو قضايا تتعلق بتماسكها الداخلي، أو لمواجهة تحديات خارجية وإقليمية متصاعدة (مثل قضايا “حزب الله” والميليشيات العراقية). غير أن الاستمرار في مماطلة هذا الملف الثقيل قد يُضعف تدريجياً قدرة الأدوات التقليدية على امتصاص الغضب الشعبي المطالب بالعدالة؛ وبناءً عليه تبقى الخشية قائمة من إمكانية تزامن ردود أفعال داخلية ناتجة عن ضعف العدالة واليأس من الإجراءات الحكومية مع اندلاع تحديات أو مواجهات خارجية طارئة.
ثالثًا: التبعات على شرعية السلطة والثقة بمؤسسات الدولة؛ المخاطر القريبة والبعيدة:
يعاني ملف العدالة الانتقالية من نقص الشفافية وضعف الثقة بشرعية المسار، ويفاقم ذلك استمرار القوانين الموروثة من عهد النظام البائد، وعدم تطهير السلطة القضائية من القضاة المرتبطين به، مع تراجع الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتها على تحقيق العدالة[13].
وتمثل العدالة الانتقالية أساساً لبناء شرعية الدولة الجديدة إلا أن العدالة قد تم تنفيذها أحيانا بطريقة انتقائية؛ فالتناقض بين محاسبة صغار المنتهكين والتساهل مع شخصيات بارزة يهدد صدقية المسار ويعمق الفجوة بين السلطة والمواطنين. كما تشكل حالة نجاح أو فشل الهيئات الحالية المعنية بالعدالة والمفقودين عاملاً مؤثراً في شرعية السلطة؛ فتقديم حقيقة ناقصة سيقوض الشرعية ويعمق فقدان الثقة، مثلما يهدد عدم إشراك الضحايا والمواطنين بصورة فعالة في تصميم مسار بناء عقد اجتماعي جديد قائم على المشاركة والثقة[14].
ويفتقد مسار العدالة لإطار قانوني موحد ينظم المساءلة، كما أن غياب لجنة حقيقة وطنية شاملة واقتصار الإجراءات على خطوات متفرقة يعكس استمرار الضعف المؤسسي، ورغم الإعلان عن ملاحقة بعض المسؤولين السابقين يظل الإطار القانوني المنظم غير واضح في ظل غياب تشريعات تجرّم جرائم الحرب، مما يترك فراغاً مؤسسياً قد يؤدي إلى عدالة رمزية ويهدد القدرة على تحقيق العدالة[15].
وما تزال خطوات العدالة الانتقالية تفتقد لآليات المتابعة والرقابة والمعايير الواضحة، مما يجعل المؤسسات عرضة للتحول إلى كيانات شكلية تفتقر للأدوات التنفيذية، وإن استمرار الفجوة بين النصوص والتطبيق يهدد مصداقية مؤسسات الدولة ويعمق أزمة الثقة لدى الضحايا؛ إذ إن إنشاء الهيئات دون قدرة مؤسسية على تنفيذ التزاماتها يعيد إنتاج العجز المؤسسي. كما يرتبط نجاح العدالة الانتقالية بإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية وتحويلها إلى مؤسسات قائمة على سيادة القانون والحقوق السياسية، بينما يظل ضعف المساءلة والشفافية من أبرز العوامل المعيقة لتحقيق شرعية سياسية وثورية مستقرة[16].
المخاطر القريبة والبعيدة المدى:
بناءً على ما سبق فإن مختلف تجليات ضعف العدالة قد تؤدي إلى درجة من الاحتقان الشعبي وإلى تراجع في شرعية الدولة ومؤسساتها، مما قد يزيد الفجوة بين الدولة والمواطنين، وإن استمرار الوضع الراهن، خاصة مع تكرار السلوك والإجراءات السابقة نفسها، قد يزيد من الاحتقان ويضعف الإيمان بمؤسسات إنفاذ العدالة، وربما بالعدالة نفسها، كما قد يزيد القناعة بالاعتماد على الذات لاستعادة حقوق الضحايا بدلا عن خيار اللجوء إلى مؤسسات الدولة.
وعلى المدى القريب قد يقود استمرار هذا الوضع إلى تجدد الاحتجاجات[17] المنادية بالعدالة واتساع نطاقها، خاصة مع استمرار الشعور بعدم الاستجابة لمطالب الضحايا وعدم ملاحظة تحسن ملموس. وقد تنتقل الاحتجاجات في حال استمرار أسبابها وتراكم الاحتقان من ردات فعل محدودة إلى تحركات أكثر تنظيماً واتساعاً، بما يزيد من صعوبة احتوائها ويعمق حالة التوتر بين المجتمع والسلطة. وفي ظل استمرار انتشار السلاح قد يرتفع كذلك خطر انتقال بعض هذه التوترات إلى مواجهات بينية مسلحة، بما يزيد من القلاقل ويضعف قدرة مؤسسات الدولة على إدارة المرحلة الانتقالية.
أما على المدى البعيد فإن استمرار هذا المسار وتراكم آثاره قد يؤدي إلى فقدان الثقة بإمكانية تحقيق العدالة عبر مؤسسات الدولة، بما يتجاوز ملف العدالة نفسه إلى الشك بوجود سلطة حققت أهداف الثورة، مما قد يوصل لاندلاع موجات احتجاجية أوسع وأكثر استدامة وذات طابع ثوري أو استعصائي، في بيئة داخلية غير مستقرة. ومع تراكم هذه العوامل قد تتحول أزمة العدالة من ملف مضطرب إلى آخر حاسم ومؤثر في شرعية السلطة وفي استقرار المرحلة الانتقالية برمتها.
وفي المقابل فإنّ تبنّي مسار احتوائي استباقي يقوم على إقرار إطار قانوني موحد وتطهير المنظومة القضائية، بالتوازي مع إشراك الضحايا ومحاسبة المنتهِكين يؤدي إلى امتصاص الاحتقان الشعبي وتفادي سيناريوهات التصادم على المدى القريب. ومع رفد هيئات العدالة بأدوات تنفيذية حقيقية وتجاوز القوانين الموروثة، فإن من شأن هذا المسار التكيفي أن يُعيد بناء الثقة بمؤسسات الدولة على المدى البعيد، ليتيح تحويل ملف العدالة الانتقالية من بؤرة تهديد إلى مدخل لترسيخ العقد الاجتماعي وتثبيت شرعية المرحلة الانتقالية.
خاتمة وتوصيات:
يتطلب ضبط مسار الانتقال وقف إجراء التسويات وإلغاء ما أُنجز منها خارج الأُطر القضائية، مع تفعيل ملاحقة المتورطين وفق القانون، وإنفاذ آليات تدقيق مؤسسي صارمة تمنع إعادة تدوير شخصيات النظام البائد أو تعيين وظهور من سوّغ جرائمه في هيكلية الدولة الجديدة. ويكتمل ذلك بوضع إطار قانوني شامل للعدالة الانتقالية يوازن بين متطلبات السلم الأهلي وكفالة حقوق الضحايا، بما يضمن عدم استغلال مساعي التهدئة لتكريس سياسة الإفلات من العقاب.
وفي الوقت ذاته تبرز أهمية اعتماد سياسة اتصال حكومي تتميز بالشفافية والوضوح، عبر التبيان الدوري لمستجدات إدارة الملف والأسباب الإجرائية أو الفنية الكامنة وراء أي تأخير في القضايا الحساسة، ويهدف هذا الإفصاح المباشر إلى بناء المصداقية واستعادة ثقة الشارع، وتزداد أهمية ذلك في ظل محدودية قدرة الشارع السوري على تحمل المزيد من التسويف، بالتزامن مع ظروف معيشية واقتصادية قاسية، ومعاناة المتضررين من الفقر والنزوح والظلم والتراكمات النفسية للحرب؛ فقد يؤدي استمرار تأخر العدالة في هذا السياق إلى زيادة حساسية المشهد ورفع احتمالات ردات الفعل الشعبية المتوترة، وربما العنيفة، وصعوبة احتواء تداعياتها ما لم يُتدارك الأمر بجدية.
في الختام: تُثبت معطيات الدراسة والتجارب المقارنة أنّ تهميش العدالة الانتقالية أو توظيفها أداةً سياسية رمزية لتأمين استقرار ظاهري يظلّ خياراً مكلفاً ومتعلقاً بتماسك الدولة واستقرارها المأمول، وأنّ بناء الشرعية السياسية والثورية القابلة للاستدامة لا يتحقق عبر تجاوز ملفات الماضي أو إغفال حقوق الضحايا، بل عبر إرادة سياسية جادة تضمن كشف الحقيقة، ومحاسبة المنتهكين، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية. وبناءً عليه فإن التأخر في معالجة هذا الملف الحساس لن يجلب الاستقرار المنشود، بل قد يعمق الفجوة بين المجتمع والسلطة، مما يفتح الباب أمام تحديات شعبية واستحقاقات قد تُعرّض مسار المرحلة الانتقالية للفشل.
المراجع:
كاتب صحفي ومدون ومساعد باحث



