أقلام المنتدى

ما بين الحاجة للاستقرار ومطلب الحريّة: دراسة تحليلية في الحالة السورية المعاصرة

المقدّمة:

شكّلت العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع إحدى أكثر القضايا حضوراً في الفكر السياسي والفلسفي منذ نشأة الدولة بمفهومها الحديث؛ إذ انشغل المفكرون بتحديد الأسس التي تمنح السلطة مشروعيتها، والحدود التي ينبغي أن تقف عندها حتى تتمكن من تحقيق الأمن والاستقرار دون المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم. وقد انطلقت معظم النظريات السياسية من التسليم بأن وجود سلطة منظمة يمثل ضرورة لا غنى عنها لاستمرار الحياة الاجتماعية؛ غير أن هذه الضرورة لا تبرر تحول السلطة إلى غاية في ذاتها أو إلى أداة للهيمنة والإقصاء، فهي تستمد مشروعيتها من قدرتها على تحقيق المصلحة العامة، وصون الحقوق، وإدارة التعدّد الاجتماعي ضمن إطار قانونيّ ومؤسساتيّ يضمن المشاركة والمساءلة وسيادة القانون[1].

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية مضاعفة في المجتمعات التي تمرّ بمراحل انتقالية أو شهدت أزمات سياسية واجتماعية عميقة، حيث تصبح إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار وترسيخ السلم الأهلي؛ ففي مثل هذه السياقات لا يقتصر التحدي على إعادة بناء المؤسسات، وإنما يمتد إلى إعادة تأسيس الثقة بين السلطة والمواطن، وصياغة قواعد جديدة للعقد الاجتماعي تكفل المشاركة السياسية، وتعزز المواطنة، وتضمن خضوع السلطة للقانون. ومن ثم فإن نجاح أي عملية انتقال سياسي يُقاس بقدرة الدولة على بناء مؤسسات شرعية قادرة على استيعاب التنوع المجتمعي، وإدارة الاختلاف بوسائل قانونية وسلمية[2].

وتندرج الحالة السورية ضمن أكثر الحالات التي تبرز فيها هذه الإشكالية بصورة واضحة؛ إذ أدت التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة، ومصدر شرعية السلطة، وحدود العلاقة بينها وبين المجتمع. كما كشفت هذه التحولات أن اختزال العلاقة بين الأمن والحرية في معادلة تقوم على اعتبار أحدهما نقيضاً للآخر لا يفضي إلى استقرار مستدام؛ لأن كل ذلك يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات، وتراجع المشاركة السياسية، وتآكل المجال العام، بما ينعكس سلباً على تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات. وفي المقابل فإن غياب المؤسسات الفاعلة وسيادة القانون قد يحول المطالبة بالحرية إلى بيئة خصبة لاضطراب النظام العام، الأمر الذي يجعل البحث عن صيغة متوازنة بين هذين البُعدين ضرورة سياسية واجتماعية.

وانطلاقاً من ذلك يسعى هذا المقال إلى تحليل العلاقة الجدلية بين الاستقرار والحرية في الحالة السورية المعاصرة، انطلاقاً من مقاربة تجمع بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي؛ فالمقال لا ينظر إلى الاستقرار باعتباره نقيضاً للحرية، ولا إلى الحرية بوصفها مدخلاً للفوضى، وإنما يتعامل معهما باعتبارهما قيمتين متكاملتين لا يمكن لأي منهما أن تستقر بمعزل عن الأخرى؛ فالدولة التي تعجز عن توفير الأمن والاستقرار تفقد إحدى أهم وظائفها الأساسية، كما أن الدولة التي تحقق الأمن عبر تقييد الحقوق والحريات تضعف مصادر شرعيتها، وتفتح المجال أمام أزمات جديدة قد تهدد استقرارها على المدى البعيد. ومن هنا فإن الإشكالية تتمثّل في البحث عن الإطار المؤسسي والقانوني الذي يسمح بتحقيقهما في آن واحد، وليس في المفاضلة بين الأمن والحرية.

وتتمثّل الإشكالية الرئيسة لهذا المقال في التساؤل عن الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع في سوريا على أسس قانونية وتشاركية، بما يحقق التوازن بين متطلبات استقرار الدولة وضمان الحقوق والحريات العامة، ويحول دون عودة أنماط الاستبداد من جهة، أو الانزلاق إلى الفوضى المؤسسية من جهة أخرى، وينبثق عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية، من أبرزها:

  • كيف يمكن تجاوز معادلة (الأمن مقابل الحرية) بوصفها إطاراً حاكماً للعلاقة بين الدولة والمجتمع؟
  • وما الشروط السياسية والمؤسساتية اللازمة لبناء شرعية تستند إلى سيادة القانون والمشاركة السياسية؟
  • وما الدور الذي يمكن أن تؤديه الهوية الوطنية الجامعة والمجتمع المدني في ترسيخ عقد اجتماعي جديد يحقق الاستقرار والحريّة معاً؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات يعتمد المقال على المنهج الوصفي التحليلي كمنهجٍ رئيسي لفهم طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتحليل المفاهيم المرتبطة بالشرعية والاستقرار والحرية والهوية الوطنية والمشاركة السياسية، بحيث يقوم البُعد الوصفي على عرض المقاربات النظرية في الفكر السياسي وتفسيرها، بينما يتولى البُعد التحليلي مراجعة البنى السياسية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل هذه العلاقة، والكشف عن مواطن الخلل فيها، ومناقشة البدائل الممكنة في ضوء الأدبيات الفلسفية والسياسية المعاصرة، مع ربطها بالسياق السوريّ، بما يسمح بالانتقال من التأصيل المفاهيمي إلى التحليل التطبيقيّ، ومن القراءة النظرية إلى استشراف إمكانات إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر توازناً واستدامة.

وانطلاقاً من هذه الرؤية ننتقل إلى دراسة جدلية السلطة بين الشرعية والاستبداد كمدخل رئيسيّ لفهم طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، قبل أن نناقش مفهوم الحرية والاستقرار في الفكر السياسي، ثم نحلل دور الهوية الوطنية والمجتمع المدني في إعادة بناء المجال العام، وصولاً إلى تقديم رؤية تحليلية لتحقيق التوازن بين متطلبات استقرار الدولة وضمان الحريات العامة في سوريا، انطلاقاً من أن بناء دولة مستقرة لا ينفصل عن بناء مجتمع حرّ، وأن استدامة أي نظام سياسي تظل مرهونة بقدرته على التوفيق بين الشرعية، وسيادة القانون، والمشاركة المجتمعية، واحترام كرامة الإنسان..

المحور الأول: جدلية السلطة بين الشرعية والاستبداد:

أولاً: مفهوم الشرعية السياسية وأسسها:

تُعدّ الشرعية السياسية الركيزة الأساسية التي تستند إليها السلطة في ممارسة وظائفها داخل الدولة؛ إذ لا تُقاس قوة السلطة بقدرتها على فرض الأوامر أو احتكار وسائل الإكراه فحسب، وإنما بمدى قبول المجتمع لها واقتناعه بمشروعية ممارساتها وأهدافها، ومن هذا المنطلق تميّز الأدبيات السياسية بين السلطة كممارسة قانونية تستند إلى رضا المحكومين، والسيطرة التي تعتمد بصورة رئيسة على القوة المجردة؛ فالسلطة الشرعية لا تكتفي بامتلاك الوسائل القانونية لإدارة الشأن العام، بل تنجح أيضاً في بناء علاقة ثقة متبادلة مع المجتمع، تجعل الالتزام بالقانون نابعاً من القناعة أكثر من كونه نتيجة للخوف من العقاب. وقد حظي مفهوم الشرعية باهتمام واسع في الفكر السياسي منذ نشأة الدولة الحديثة؛ حيث انطلقت معظم النظريات من محاولة الإجابة عن سؤال جوهري يتعلق بمصدر حق الحاكم في ممارسة السلطة وحدود هذه الممارسة، فقد رأى توماس هوبز أن الشرعية تنبع من العقد الذي يبرمه الأفراد فيما بينهم لتأسيس سلطة مركزية قوية تتولى إنهاء حالة الصراع وحماية الأمن العام، باعتبار أن الخوف من الفوضى يمثل الدافع الرئيس لقبول السلطة، وقدّم جون لوك تصوراً مختلفاً؛ إذ ربط شرعية الحكم بحماية الحقوق الطبيعية للإنسان، وعدّ السلطة وكيلاً عن المجتمع لا مالكاً له، الأمر الذي يمنح المواطنين حق مساءلتها بل واستبدالها إذا انحرفت عن وظائفها الأساسية، وذهب جان جاك روسو إلى أبعد من ذلك؛ فجعل الإرادة العامة المصدر الأعلى للشرعية، بحيث تصبح السلطة تعبيراً عن الإرادة الجماعية للمواطنين لا عن إرادة الحكام أو مصالحهم الخاصة.

ويكشف هذا التباين بين المفكرين أن الشرعية بناء سياسي واجتماعي يتشكل تبعاً لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، فكلما اتسعت مساحة المشاركة السياسية، وتعززت سيادة القانون، وخضعت السلطة للمساءلة ازدادت قدرتها على اكتساب الشرعية والاستمرار. أما حينما تنفصل السلطة عن المجتمع، وتصبح مؤسسات الدولة أدوات لخدمة مصالح ضيقة فإنها تفقد تدريجياً مصادر مشروعيتها، حتى وإن احتفظت بقدرتها على فرض النظام بالقوة.

وفي الدولة المعاصرة لم تعد الشرعية تُختزل في مجرد الالتزام الشكلي بالنصوص الدستورية أو إجراء الانتخابات بصورة دورية، حيث إنها أصبحت ترتبط أيضاً بمدى احترام حقوق الإنسان، واستقلال القضاء، وشفافية المؤسسات، وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين؛ لذا فإن الشرعية السياسية أصبحت مفهوماً متعدد الأبعاد يجمع بين الشرعية القانونية، والشرعية الديمقراطية، والشرعية الاجتماعية التي تتجسد في ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها[3].

وانطلاقاً من ذلك يمكن القول: إن الاستقرار السياسي يتطلب سلطة تتمتع بشرعية مستمرة تتجدد عبر احترام القانون، وتجسيد مبدأ المواطنة، والاستجابة للتحولات الاجتماعية والسياسية؛ فالاستقرار الناتج عن القبول الطوعي يختلف جوهرياً عن الاستقرار القائم على الخوف، لأن الأول يمتلك مقومات الاستمرار، بينما يبقى الثاني معرضاً للاهتزاز كلما ضعفت أدوات السيطرة أو تبدلت الظروف السياسية.

ثانياً: من الشرعية إلى الاستبداد؛ تحولات السلطة وآليات الانحراف:

تزداد أهمية التمييز بين مصادر الشرعية في الحالة السورية الراهنة؛ حيث تستمد السلطة في سوريا الجديدة شرعيتها اليوم من مصدر مختلف عن الشرعية الدستورية أو الانتخابية التقليدية، وهو ما يمكن وصفه بالشرعية الثورية النابعة من التغيير الذي أطاح بالنظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، وهذا النوع من الشرعية يحمل خصوصية مزدوجة؛ فهو من جهة يمنح السلطة الجديدة رصيداً أخلاقياً وشعبياً واسعاً في مرحلتها الأولى، لكنه من جهة أخرى يظل رصيداً قابلاً للتآكل ما لم يُعد تأسيسه على قواعد دستورية ومؤسسية راسخة، ذلك أن الشرعية الثورية استثنائية ومؤقتة بطبيعتها، ولا يمكنها أن تحل محل الشرعية القانونية والتداولية على المدى الطويل، وهي إشكالية أثارها عدد من الباحثين في سياق النقاش حول تجارب التحول السياسي العربي، ويظل اختبارها الحقيقي في سوريا مرهوناً بقدرة المرحلة الانتقالية على ترجمة الشرعية الثورية إلى شرعية مؤسسية عبر الإعلان الدستوري ومساراته اللاحقة نحو دستور دائم وانتخابات عامة.

إذا كانت الشرعية تمثل الغاية التي تسعى إليها السلطة السياسية فإن التاريخ السياسي يكشف أن العديد من النظم تبدأ بمبررات تتعلق بحماية المجتمع أو تحقيق الاستقرار، لكنها تنتهي تدريجياً إلى احتكار القرار وإقصاء المجتمع من المشاركة في إدارة الشأن العام، وتكمن خطورة هذا التحول في أنه لا يحدث بصورة مفاجئة، فهو يتم عبر عملية تراكمية يُحكم فيها على الممارسة الفعلية لتحقيق حكومة رشيدة يكون فيها فصل وتوازن بين السلطات، مع الشفافية والمُساءلة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.[4]

ويفسر الفكر السياسي هذا التحول بعدة عوامل، من أبرزها: غياب الفصل بين السلطات، وضعف المؤسسات الرقابية، وتراجع استقلال القضاء، واحتكار أدوات القوة والإعلام والموارد العامة. ففي مثل هذه البيئات تتضاءل قدرة المجتمع على مراقبة السلطة أو مساءلتها، الأمر الذي يفتح المجال أمام نشوء أنماط مختلفة من الاستبداد، حتى وإن احتفظت الدولة بمظاهرها الدستورية الشكلية.

وقد نبّه مونتسكيو إلى خطورة تركيز السلطة في يد جهة واحدة، مؤكدًا أن الحرية لا يمكن أن تستقر إلا إذا توزعت السلطات وتوازنت فيما بينها، بحيث تشكل كل سلطة قيداً على الأخرى، ولم يكن هدف هذا المبدأ إضعاف السلطة، وإنما منع تحولها إلى سلطة مطلقة تتجاوز القانون؛ ولذلك ظل مبدأ الفصل بين السلطات أحد أهم الضمانات الدستورية لحماية المجتمع من الانحراف السياسي[5].

وفي سياق مختلف قدّم ميشيل فوكو قراءة أعمق لطبيعة السلطة الحديثة؛ إذ رأى أن الهيمنة لا تمارس فقط عبر القوانين أو أجهزة الأمن، وإنما أيضاً عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والإدارية، وعبر إنتاج الخطابات التي تحدد ما يُعد مقبولاً أو مرفوضاً داخل المجتمع، وبهذا المعنى تصبح السلطة شبكة معقدة من العلاقات تتجاوز الإكراه المباشر لتؤثر في تشكيل الوعي الجماعي وأنماط السلوك، وهو ما يجعل مقاومة الاستبداد مرتبطة أيضاً ببناء ثقافة نقدية ومجال عام حر.

ومن هنا فإن الاستبداد لا يتمثل فقط في تركيز الصلاحيات السياسية، وإنما في إضعاف قدرة المجتمع على المبادرة، وإفراغ المؤسسات من مضمونها الرقابي، وتحويل المشاركة السياسية إلى ممارسة شكلية لا تؤثر في صناعة القرار، ومع مرور الوقت يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة بين المواطن والدولة، وإلى اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، الأمر الذي ينعكس سلباً على الاستقرار نفسه الذي تدّعي السلطة المحافظة عليه.

ثالثاً: جدلية السلطة والاستقرار في الحالة السورية:

تكتسب هذه الرؤية النظرية أهمية خاصة عند إسقاطها على الحالة السورية، التي تمثل نموذجاً معقداً للعلاقة بين السلطة والاستقرار، فقد أظهرت التجربة السورية أن اختزال مفهوم الاستقرار في البعد الأمني وحده لا يكفي لبناء دولة مستقرة وقادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والسياسي، فكلما تقلصت مساحات المشاركة السياسية، وضعفت قنوات الحوار المؤسسي، وتراجعت الثقة بين المجتمع والسلطة أصبحت قدرة النظام السياسي على إنتاج شرعية مستدامة أكثر هشاشة، مهما امتلك من أدوات السيطرة.

وفي المقابل كشفت التحولات التي شهدتها سوريا أن غياب المؤسسات الفاعلة وسيادة القانون قد يجعل أي انتقال سياسي عرضة لتحديات كبيرة؛ لأن انهيار مؤسسات الدولة لا يقل خطورة عن تغول السلطة ذاتها، ومن ثم فإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء سلطة قانونية تستمد قوتها من شرعيتها، ويستمد المجتمع ثقته بها من قدرتها على حماية الحقوق وإدارة الاختلاف ضمن إطار مؤسساتيّ.

وانطلاقاً من ذلك فإن إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع في سوريا تقتضي تجاوز التصورات الثنائية التي تجعل الأمن نقيضاً للحرية، أو تجعل الحرية مرادفًا لغياب الدولة؛ فالدولة الحديثة لا تقوم على أحد هذين البُعدَين بمعزل عن الآخر، وإنما على التكامل بينهما من خلال مؤسسات دستورية، وقضاء مستقل، ومشاركة سياسية فاعلة، ومجتمع مدني قادر على الإسهام في الرقابة وصنع السياسات العامة؛ خروجاً من وهم الثنائيات المتصارعة هذه “الاستقرار _ الفوضى، والحرية _ الأمن.[6]

وتقودنا هذه النتيجة إلى التساؤلات التالية:

  • إذا كانت الشرعية السياسية تمثل الأساس الذي يحول دون انحراف السلطة نحو الاستبداد؛ فما طبيعة العلاقة بين الحرية والاستقرار؟
  • وهل يشكل توسيع الحريات تهديداً لاستقرار الدولة، أم أن الحرية نفسها تمثل أحد أهم مقومات الاستقرار المستدام؟

تمثل هذه الأسئلة المدخل الطبيعي للمحور الثاني، الذي يتناول العلاقة بين الحرية والاستقرار في الفكر السياسي، قبل الانتقال إلى تحليل تجلياتها في الحالة السورية المعاصرة.

المحور الثاني: الحرية والاستقرار بين التعارض والتكامل:

تُعد العلاقة بين الحرية والاستقرار إحدى أكثر الإشكاليات حضوراً في الفكر السياسي المعاصر؛ إذ غالباً ما جرى تصويرهما بوصفهما قيمتين متعارضتين، فكلما اتسعت مساحة الحرية تراجع الاستقرار، وكلما تعاظمت سلطة الدولة تقلصت الحريات، وقد شكّلت هذه الثنائية أساساً لكثير من النظم السلطوية التي برّرت تقييد المجال العام بذريعة حماية الأمن والحفاظ على وحدة الدولة، غير أن هذا التصور يقوم على مقايضة صفرية تفترض أن تحقيق أحد الطرفين يستلزم التضحية بالآخر، وهو ما أثبتت التجارب السياسية محدوديته على المدى البعيد.

وفي الحالة السورية برزت هذه الإشكالية بصورة أكثر وضوحاً؛ حيث ارتبط مفهوم الاستقرار لعقود بالمقاربة الأمنية أكثر من ارتباطه بالشرعية السياسية أو الرضا المجتمعيّ، وقد أسهم ذلك في إضعاف الثقة بين السلطة والمجتمع، وإغلاق قنوات المشاركة، وتحويل الاستقرار إلى حالة مؤقتة تقوم على الضبط أكثر من قيامها على التوافق المجتمعي، الأمر الذي جعل أي أزمة سياسية أو اجتماعية قابلة للتحول إلى أزمة بنيوية تمسّ الدولة والمجتمع معاً.

أولاً: الحرية والاستقرار؛ تعارُض أم تكامُل؟

تنطلق الرؤية الفلسفية الحديثة من أن الحرية أحد الشروط الأساسية للاستقرار؛ فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد احتكار السلطة لأدوات القوة، وإنما بقيام علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع تقوم على الثقة والشرعية والقبول العام، وبهذا المعنى تصبح الحرية إطاراً يسمح للمجتمع بالمشاركة في صناعة القرار والتعبير عن مصالحه بصورة سلمية، بدلاً من انتقال الصراع إلى فضاءات العنف أو الإقصاء. وعليه فإن تجاوز معادلة الأمن مقابل الحرية يقتضي الانتقال من مفهوم الاستقرار القائم على السيطرة إلى مفهوم الاستقرار القائم على الشراكة المجتمعية، بحيث تصبح الحرية جزءاً من أدوات حماية الدولة وليست تهديداً لها.

ثانياً: سيادة القانون كضابط للعلاقة بين السلطة والمجتمع:

إذا كانت الحرية تمنح المجتمع القدرة على المشاركة فإن سيادة القانون هي التي تمنع تحوُّل هذه الحرية إلى فوضى، كما تمنع السلطة في الوقت ذاته من التحول إلى الاستبداد؛ فالقانون في الدولة الحديثة لا يمثل أداة بيد السلطة، وإنما يشكل المرجعية العليا التي يخضع لها الحاكم والمحكوم على حد سواء. ولذا فإن بناء دولة مستقرة لا يرتبط بزيادة صلاحيات السلطة، بل ببناء مؤسسات دستورية مستقلة، وقضاء نزيه، وآليات رقابة ومساءلة تكفل تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن وضمان الحقوق والحريات[7].

ثالثاً: الشرعية السياسية والمشاركة العامة:

تستمد السلطة شرعيتها من قدرتها على قبول المجتمع بفروضه باعتبارها معبرة عن الإرادة العامة وقادرة على تحقيق المصلحة المشتركة؛ ولذا تُعد المشاركة السياسية إحدى الركائز الأساسية لإعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع، لأنها تحول المواطن من متلقٍّ للقرارات إلى شريك في إنتاجها. وفي السياق السوري تبرز أهمية توسيع المجال العام، وتعزيز المؤسسات التمثيلية، وتنظيم المشاركة السياسية ضمن إطار دستوري، بما يضمن انتقال العلاقة بين السلطة والمجتمع من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة والمسؤولية المشتركة.

رابعاً: نحو استقرار قائم على الشرعية لا على الإكراه:

يتبين من ذلك أن الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر أدوات الضبط الأمني وحدها، وإنما من خلال منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، والشرعية السياسية، واحترام الحقوق، والمشاركة المجتمعية؛ فكلما اتسعت مساحة الثقة بين السلطة والمجتمع ازدادت قدرة المؤسسات على إدارة الاختلافات بصورة سلمية، وتحول الاستقرار من حالة مؤقتة تفرضها القوة إلى حالة دائمة تنتجها الشرعية. وبذلك يغدو التحدّي الحقيقي أمام سوريا الجديدة ليس المفاضلة بين الحرية والاستقرار، وإنما إعادة تعريف العلاقة بينهما باعتبارهما قيمتَين متكاملتَين تؤسسان لدولة قادرة على حفظ النظام العام، ومجتمع قادر على ممارسة حقوقه والمشاركة في بناء مستقبله.

وهذا ما يمهّد للانتقال إلى المحور التالي الذي يعرض رؤية عملية لتحقيق هذا التوازن من خلال الهوية الوطنية الجامعة، والمشاركة السياسية، والمجتمع المدني.

المحور الثالث: رؤية لتحقيق التوازن بين استقرار الدولة وحريات المجتمع في سوريا الجديدة:

إنّ تجاوز معادلة الأمن مقابل الحرية لا يتحقق بمجرد تغيير شكل السلطة، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس تقوم على الشرعية والمشاركة والثقة المتبادلة، وفي هذا السياق يمكن الاستناد إلى ثلاث مرتكزات رئيسة تمثل دعائم لتحقيق هذا التوازن:

أولاً: المشاركة السياسية وتنظيم المجال العام:

تُعد المشاركة السياسية أحد أهم مصادر الشرعية في الدولة الحديثة؛ إذ تمنح المجتمع دوراً فاعلاً في صناعة القرار، وتحدّ من احتكار السلطة للمجال العام، ولا تعني المشاركة إطلاق المجال السياسي دون ضوابط؛ فهي تنظّمه من خلال دستور ومؤسسات تضمن التعددية، وتكفل تداول السلطة، وتحافظ في الوقت ذاته على استقرار الدولة ووحدة مؤسساتها. وتمثل انطلاقة مجلس الشعب السوري الجديد، الذي عقد جلسته الافتتاحية في تموز/يوليو 2026 بعد عملية اختيار غير مباشرة جرت عبر هيئات ناخبة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، محطة أولى على هذا الطريق؛ غير أن تشكيله من ثلثين اختِيرا بصورة غير مباشرة وثلث عيّنته رئاسة الجمهورية يكشف أن المشاركة السياسية ما تزال في طور التأسيس، وأن اختبارها الحقيقي سيكون في مدى قدرة هذا المجلس على سنّ تشريعات المرحلة الانتقالية، من قانون الأحزاب إلى قانون الانتخابات، بما يوسّع قاعدة التمثيل تدريجياً تمهيداً لانتخابات عامة مباشرة عند اعتماد الدستور الدائم.

ثانياً: الهويّة الوطنية الجامعة:

يشكّل بناء هوية وطنية جامعة شرطاً أساسياً لتجاوز الانقسامات التي أفرزتها سنوات حكم الأسد، ويقتضي ذلك ترسيخ مفهوم المواطنة كأساس للعلاقة بين الفرد والدولة، بحيث تتقدم الهوية الوطنية على الانتماءات الفرعية، دون إلغاء التنوع الثقافي أو الاجتماعي، بما يعزز الانتماء المشترك ويحافظ على وحدة المجتمع. وقد كشفت أحداث توتر الساحل السوري في مطلع عام 2025، وما تلاها من اشتباكات في محافظة السويداء في تموز/يوليو من العام ذاته هشاشة الهوية الوطنية عند كثيرين هنا وهناك؛ إذ كشفت أن الانتماءات الفرعية – الطائفية والمناطقية – لا تزال قابلة للتحول إلى بؤر توتر عند غياب أطر مؤسسية واضحة لإدارة التنوع وضمان العدالة الانتقالية، الأمر الذي يجعل صياغة عقد وطني جديد شرطاً لا غنى عنه لنجاح المرحلة الانتقالية.

ثالثاً: المجتمع المدني وإعادة بناء الثقة:

يمثل المجتمع المدني حلقة الوصل بين السلطة والمجتمع، ويسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والمساءلة والمشاركة، كما يؤدي دوراً مهماً في دعم التنمية المحلية، وتعزيز المصالحة المجتمعية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، بما يجعله شريكاً في تحقيق الاستقرار دون أن يكون منافساً للسلطة. وقد أتاح مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عُقد في شباط/فبراير 2025 _على الرغم مما وُجّه إليه من انتقادات تتعلق بمحدودية التمثيل وضيق الوقت المتاح للنقاش_ مساحة أولى لإعادة تفعيل الحضور العام لمنظمات المجتمع المدني بعد عقود من التضييق، غير أن ذلك يظل بحاجة إلى ترجمة عملية عبر أطر قانونية تحمي حرية العمل الأهلي، وتُشرك هذه المنظمات في صياغة السياسات العامة ومتابعة تنفيذها، لا الاكتفاء باستشارتها شكلياً.

وفي ضوء هذه المرتكزات يمكن القول: إن بناء سوريا الجديدة يتطلب نموذجاً سياسياً يقوم على التكامل بين سلطة قادرة على حفظ النظام وسيادة القانون، ومجتمع يمتلك من الحرية والمسؤولية ما يؤهله للمشاركة في إدارة الشأن العام، وبهذا يتحول الاستقرار من مجرد حالة أمنية مؤقتة إلى استقرار مستدام يقوم على الشرعية والثقة والمواطنة، وهو ما يشكل الأساس لعقد اجتماعي جديد يحقق التنمية ويحفظ كرامة الإنسان[8].

الخلاصة والاستنتاجات:

خلُصت المقالة إلى أن الإشكالية الحقيقية في الحالة السورية لا تكمن في المفاضلة بين الاستقرار والحرية؛ فما نحتاجه في ذلك هو إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس تحقق التكامل بينهما، فالسلطة لا تستطيع تحقيق الاستقرار في الدولة بصورة مستدامة ما لم تستند إلى الشرعية وسيادة القانون، كما أن الحرية لا يمكن أن تؤدي دورها في بناء المجتمع ما لم تُمارس ضمن إطار مؤسسيّ يحفظ النظام العام ويصون المصلحة العامة. كما أظهرت المقالة أن تجاوز معادلة الأمن مقابل الحرية يتطلب الانتقال من نموذج الدولة القائمة على الاحتكار والإقصاء إلى نموذج الدولة القائمة على المشاركة والثقة والمسؤولية المشتركة، بحيث يصبح الاستقرار نتاجاً لشرعية المؤسسات تلك التي تبني الدولة، لا لاحتكار أدوات القوة.

وانطلاقاً من ذلك انتهت المقالة إلى أن بناء التوازن المنشود في سوريا الجديدة يرتكز على ثلاثة محددات رئيسة، هي:

  • ترسيخ المشاركة السياسية بما يعزز الشرعية ويضمن تداول السلطة.
  • بناء هوية وطنية جامعة تؤسس للمواطنة وتستوعب التنوع وتشعّباته.
  • تعزيز دور المجتمع المدني بوصفه شريكاً في إعادة بناء الثقة ودعم التنمية والاستقرار.

وتخلص المقالة إلى أن مستقبل الدولة السورية يرتبط بقدرتها على تأسيس عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع في إطار دولة القانون والمؤسسات، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الاستقرار وضمان الحريات، ويهيئ بيئة سياسية واجتماعية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز وحدة المجتمع[9].

قائمة المراجع

أولاً: المراجع الفلسفية والسياسية الأجنبيّة

  1. Hobbes, Thomas. Leviathan. London: Andrew Crooke, 1651.
  2. Locke, John. Two Treatises of Government. London: Awnsham Churchill, 1689.
  3. Rousseau, Jean-Jacques. Du contrat social. Amsterdam: Marc Michel Rey, 1762.
  4. Montesquieu, Charles de Secondat. De l’esprit des lois. Geneva: Barrillot & Fils, 1748.
  5. Machiavelli, Niccolò. The Prince. Florence, 1532.
  6. Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. New York: Pantheon Books, 1977.
  7. Weber, Max. Economy and Society. University of California Press, 1978.

ثانياً: المراجع العربية

  1. أحمد قربي، أولويات المثقّفين السوريين في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.. استعادة الثقة المُمهّدة للفاعليّة، مركز الحوار السوري، 2025.
  1. عبد الله العروي. مفهوم الدولة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1981.
  2. برهان غليون. نقد السياسة: الدولة والدين. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993.
  3. برهان غليون. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003.
  4. عزمي بشارة. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.
  5. عزمي بشارة. المجتمع المدني: دراسة نقدية. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
  6. نجيب الغضبان، أسس النظام السياسي المقترح للحوكمة الرشيدة ، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2025.
  1. Larry Diamond. Developing Democracy: Toward Consolidation. Johns Hopkins University Press, 1999.
  2. Francis Fukuyama. Political Order and Political Decay. Farrar, Straus and Giroux, 2014.
  3. Samuel P. Huntington. Political Order in Changing Societies. Yale University Press, 1968.
  4. Robert A. Dahl. Polyarchy: Participation and Opposition. Yale University Press, 1971.
  1. مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. دراسات حول المرحلة الانتقالية وبناء الدولة في سوريا. إسطنبول، إصدارات متعددة.
  2. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سوريا: دراسات في التحول السياسي وإعادة بناء الدولة. الدوحة، إصدارات متعددة.

[1] Hobbes, Thomas. Leviathan. London: Andrew Crooke, 1651
[2] Rousseau, Jean-Jacques. Du contrat social. Amsterdam: Marc Michel Rey, 1762
[3] عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1981.
[4] نجيب الغضبان، أسس النظام السياسي المقترح للحوكمة الرشيدة ، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2025.
[5] برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1993.
[6] أحمد قربي، أولويات المثقّفين السوريين في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.. استعادة الثقة المُمهّدة للفاعليّة، مركز الحوار السوري، 2025.
[7] عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2012.
[8] مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية: التحديات والفرص، إسطنبول، 2019.
[9] مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، الحوكمة المحلية في سوريا: الواقع والتحديات، إسطنبول، 2017
مقالات الكاتب

درست علم الاجتماع في جامعة حلب، مهتمة بقضايا الفكر المنهجي والمجتمع. رئيسة دائرة المكتبات في حلب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى