أقلام المنتدى

الإرشاد التربوي في المدارس الشرعية بمدينة حلب؛ قراءة في تشخيص الواقع والتحديات

مقدمة:

عقب تحرير مدينة حلب وفي بداية عام 2025م اتخذت وزارة الأوقاف السورية خطوة هيكلية لافتة لتوأمة البنية التعليمية الشرعية ذات الخصوصية مع منظومة التربية العامة، بقرارها استحداث وظيفة “المرشد التربوي” في الثانويات والمدارس الشرعية؛ لِـمَا رأته من تداعيات سنوات الحرب المتواصلة، التي أدت إلى نتائج قاسية على الأصعدة كافة، وجعلت المجتمع يقف أمام مشكلات نفسية وصدمات متراكمة تحتاج لمواجهة جادّة.

جاء هذا القرار ليردم فجوة تاريخية ومفهومية؛ إذ كانت النظرة السائدة تُقصي حاجة طالب العلوم الشرعية للإرشاد النفسي والسلوكي، بذريعة امتلاكه “حصانة ذاتية وروحيّة” تعصمه من الاضطراب. وتتقاطع هذه النظرة مع بنية ثقافة مجتمعية تقليدية تختزل التعامل مع الضغوط النفسية في إطار شبكات الدعم العفوية تحت شعار العودة إلى “الجار للفضفضة والتنفيس العابر”، مع غياب كامل لثقافة المأسسة التربوية والعلاجية القادرة على التعامل مع الأزمات المركبة.

انطلاقاً من ذلك يأتي هذا المقال يحاول الإجابة عن سؤال رئيس: ما هو واقع تجربة الإرشاد التربوي في المدارس الشرعية بحلب؟ وما أبرز تحدياتها وفرص تطويرها؟

وما يرتبط به من تساؤلات، من أهمها: ما سبب استحداث مسمى الإرشاد التربوي في المدارس الشرعية؟ وما الفرق بين الإرشاد التربوي والإرشاد النفسي؟ وما هي الصعوبات والتحديات التي تواجه المرشدين التربويين؟ ثم كيف يمكن أن يؤدي المرشد التربوي دوره بشكل صحيح؟

أولاً: نظرة في الإطار المفاهيمي:

انطلاقاً من أهمية العنصر البشري، لاسيما في المجتمعات التي تطحنها الحروب وتتجرّع آلامها وتخضع لآثارها؛ تتعزّز أهمية العلوم التي تدور حول الإنسان وتخدمه، كعلم النفس، وتتعزز الحاجة له في المدارس لأن الطلاب بحاجة لمن يساعدهم في مراحل التكوين والمراهقة، ولمساعدة أولياء الأمور والكوادر التربوية في دعم الصحة النفسية وتهيئة جيل يتمتع بمرونة نفسية وقدرة على الإنتاجية لخدمة المجتمعات. ثم كان فرع الإرشاد النفسي جزءاً مهماً في علم النفس؛ لما يقدّمه من خدمات مجتمعية جليّة، وصار يُدرّس في الجامعات كعلم مستقل، ويتخرج منه طلاب يمارسون مهنتهم الأكاديمية في المدارس التربوية.

فالإرشاد النفسي: فرع من فروع علم النفس التطبيقي، يُعرّف بأنه عملية بنّاءة ومخطَّط لها، تتم من خلال علاقة تفاعلية مهنية بين طرفين: “المرشِد” (وهو شخص متخصص مؤهل علمياً درس في جامعة أكاديمية فرع الإرشاد النفسي)، و”المسترشِد” (الذي يواجه صعوبات أو يحتاج للتطوير). تهدف هذه العملية إلى مساعدة الفرد على فهم ذاته وقدراته، وحل مشكلاته بنفسه، وتعديل سلوكه ليتكيف مع مجتمعه، ويحقق التوافق والصحة النفسية.[1]

والإرشاد الديني: أسلوب توجيه وإرشاد وتربية وتعليم، يقوم على معرفة الفرد نفسَه ودينَه وربَّه والقيم الروحية والأخلاقية[2].

وأمّا الإرشاد التربوي الممارس في المدارس الشرعية بحلب فهو يجمع بين الإرشاد النفسي والإرشاد الديني، ويمكن تعريفه بأنه: عملية وقائية وتوجيهية وتنموية في المقام الأول، يركز على مساعدة الطالب في التكيُّف مع البيئة المدرسية، وحل المشكلات السلوكية والدراسية البسيطة والمتوسطة (مثل: التراجع الدراسي، والتنمُّر، والخلافات الفقهية، والتوجيه القيمي)، واكتشاف المواهب، وتفريغ الضغوط. وتُسند هذه العملية إلى كوادر تعليمية (علوم شرعية، ولغة عربية، ومناهج تدريس، وإرشاد نفسي… إلخ) يتم تمكينهم عبر حزم تدريبية مكثّفة.

الخريطة الوظيفية والأدوار الميدانية للمرشد:

بناءً على ذلك التمايز المفهومي لا يمتلك المرشد التربوي الصلاحية القانونية أو المعرفية لعلاج الحالات النفسية المعقدة، وإنما يقتصر دوره على “الرصد الأولي” ثم تفعيل “نظام الإحالة الفوري” إلى المختص النفسي أو العيادي. وللمرشد أيضاً مهمة تتعلق بمساعدة الكوادر التعليمية في المشكلات التي تواجههم، سواءٌ على الصعيد المهني أو الشخصي، ولا يقتصر دوره على الطلاب والكادر، فهو يتجه أيضاً نحو أولياء الأمور؛ فمهمته التواصل معهم في حال وجدت مشكلات سلوكية تحتاج لوجود الأهل وتدخلهم.

ولذا تتجاوز أدوار المرشد التربوي المفهوم التقليدي للمراقب السلوكي بحسب ما أسندته إليهم وزارة الأوقاف، لتشمل مصفوفة من المهام، وهي:

  • التنشيط والتحفيز الهيكلي: قيادة وتنسيق الأنشطة الجماعية والمسابقات التنافسية، كأداة لتفريغ الضغوط النفسية وكسر حواجز الخوف والخجل لدى الطلاب.
  • التوجيه الجماعي الصفّي: التدخل المباشر عبر حصص توجيهية دورية لمناقشة وعلاج المشكلات السلوكية العامة، وبثّ قيم الوعي الجماعي.
  • الإرشاد الفردي: تقديم دعم نفسي وسلوكي متخصص وحذر للطلاب الذين يعانون من أزمات خاصة تستدعي السرية والمتابعة اللصيقة.
  • الإرشاد الجماعي المتخصص: بُؤَر إرشادية تجمع الطلاب الذين يعانون من الأزمة ذاتها أو العَرَض السلوكي نفسه، لتطبيق فنيات الدعم المتبادل.
  • التكامل المؤسسي والأسري: التنسيق المشترك والمنظم بين الكادر التدريسي وأولياء الأمور عبر اجتماعات دورية لتأمين بيئة تقويمية موحدة.

وحيث إن البيئة قد تعرضت تحت حكم النظام الديكتاتوري البائد لعقود من الظلم والتهميش، ومن التنكيل الفكري والجسدي بالشعب؛ إذ ركّز فكرياً على أهل الدين وعمل على تهميشهم، وكانت البيئة الشرعية محطّ نظره لزعزعتها وحرمانها من حقوقها، فغاب المرشدون عنها، وكان يُسند الإرشاد بمعناه البسيط إلى الموجهين من حملة الثانوية أو طلاب جامعة بفروعه المختلفة، دون اعتبار أن الإرشاد النفسي هو حق لكل طالب بالمدارس يعينه على تجاوز المراحل. وبقي الوضع على هذه الحال حتى جاء التحرير واتخذت وزارة الأوقاف خطوات هيكلية لإعادة تهيئة المدارس الشرعية للعب دورها الأمثل في مساعدة الطلاب، حيث جاء القرار بناءً على تفاقم المشكلات ودراسة حالة المدارس الشرعية والمدارس التابعة للتربية والتعليم وكيفية الموازنة بين صحة الطالب النفسية والجسدية. ترافق ذلك مع عدة قرارات استحداث، كتعيين موجهين اختصاصيين لمراقبة سير العملية التعليمية للنهوض بالبيئة الشرعية وإنصافها؛ ولذا جاء قرار استحداث مسمى “المرشد التربوي” في المدارس الشرعية استجابةً لضرورتَين ملحتَين:

  1. السياق الزمكاني: يتمثل بأثر الحرب 14 عاماً وتداعياتها، وما خلّفته من صدمات نفسية مركبة لدى الطلاب لا تفيد معها أدوات الوعظ التقليدية وحدها؛ حيث ظهرت دراسات كدراسة “الصحة النفسية لدى الأطفال السوريين مع التركيز على اضطراب ما بعد الصدمة: دراسة مقطعية من المدارس السورية”[3] عام 2018 كشفت أن 60.5% من الأطفال يعانون من اضطراب نفسي واحد على الأقل، وجاء اضطراب كرب ما بعد الصدمة في الصدارة بنسبة 35.1%. وأظهرت دراسة أخرى[4] عام 2021 أن 36.9% من عيّنة الدراسة يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) الكاملة، وأن النزوح المتكرر والتعرض لأصوات الانفجارات كانا من أقوى العوامل المرتبطة بشدة الأعراض.
  2. تفكيك “وهم الحصانة الذاتية: سعت هذه الخطوة الهيكلية إلى كسر النظرة النمطية التقليدية التي كانت تفترض أن طالب العلوم الشرعية يمتلك حصانة روحية تحميه تلقائياً من الاضطراب النفسي، وتربط الاضطراب النفسي بضعف الإيمان. وتفكيكها يأتي من النص القرآني ذاته؛ فنبيّ الله يعقوب عليه السلام -وهو في قمة مقامه الإيماني والنبوي- عانى من أعراض جسدية ونفسية حادة نتيجة الصدمة والفقد الممتد (كرب الفقد والأسى)، ممثلة في كف البصر والحزن الشديد، مما يثبت بيولوجياً ونفسياً أن المشاعر الإنسانية والاعتلالات النفسية هي سنّة بشرية لا تخرقها المقامات الروحية ((وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم)) [يوسف: 84]. كما أن دراسة حديثة حول البصمة الجينية للصدمة السورية[5] عام 2025 قارن الباحثون فيها بين علامات الحمض النووي لثلاث مجموعات من العائلات السورية: عائلات تعرضت لعنف الثمانينات، وعائلات عايشت أحداث 2011، ومجموعة ضابطة لم تتعرض للعنف؛ كشفت الدراسة علامات فوق جينية مميزة (epigenetic marks) انطبعت على الجينات وانتقلت من الأمهات إلى الأبناء ثم الأحفاد، مما يثبت بيولوجيّاً أن الصدمة النفسية الناتجة عن الحروب تُورث.

ولذا تم دمج قطاع التعليم الشرعي من ناحية الاحتياجات النفسية ضمن منظومة التربية العامة المعاصرة التي تعترف بالاحتياجات النفسية والسلوكية للإنسان ككل لا يتجزأ.

ثانياً: صدمة الواقع الميداني، وتعدُّد وجوه الاضطرابات عند الطلبة:

مع انطلاق تجربة عمل المرشدين ميدانياً في المدارس الشرعية بحلب واجهت هذه الكوادر الوليدة واقعاً معقداً مخبأً في “النقاط العمياء” للبيئة المدرسية، ورغم الافتراض النظري الأولي بأن التعامل مع البيئة الشرعية سيكون أيسر وأقل مشكلات من المدارس العامة؛ إلا أن استقراء الحال يبين أن أبناء البيئتَين هم في النهاية نتاج مجتمع سوري عاش 14 عاماً من الحرب، سبقتها عقود من الاستبداد، هذه التراكيب الزمنية القاسية خلّفت وراءها صدمات نفسية عادية ومركبة[6]، وأزمات سلوكية حادّة برزت بوضوح في شهادات المرشدين المستطلعين.

تنطلق هذه الشهادات الميدانية من تشخيص أوليّ يتجاوز القشور السلوكية لملامسة البنية النفسية العميقة للطلاب؛ إذ أجمع كل المشاركين في المقابلات على رصد صدمات نفسية حادة ومركبة خلفتها سنوات الحرب، وتتجلى هذه الصدمات ميدانياً في مظاهر عدة، أبرزها حالات “الحزن الممتد”[7] الذي رصده المرشدون[8] كعَرَض عاطفي مزمن، أفرز بدوره فجوة إدراكية تمثلت في “عدم مطابقة الواقع” أو صعوبة التكيف مع الواقع المعيش، بحسب ما أفادت به جلّ المقابلات[9]، حيث يلتجئ الطالب أحياناً إلى آليات دفاعية شعورية أو لاشعورية للهروب من قسوة محيطه، وهو ما يفسر أيضاً تكرار رصد حالات “الكذب”  الذي يمارس للهرب من العقوبة، وله أنواع كثيرة،[10]، وأخطره ما يُعرف في علم النفس بـ“الكذب المرضي”، حين يغيب الدافع أو المكسب المنطقي، ويتحول لنمط ثابت يشوّه الواقع ليندمج بالأكاذيب ويضعف الأداء الاجتماعي[11].

وعلى الصعيد السلوكي اليومي داخل الأسوار المدرسية برز “التنمُّر اللفظي” كأحد الإفرازات المباشرة لثقافة العنف المتراكمة، وهو ما رصدته شريحة واسعة من المرشدين[12]، كأداة يفرغ من خلالها الطلاب ضغوطهم المتراكمة. ولم تقتصر الملاحظات على الاضطرابات المسلكية الخفيفة، وإنما امتدت لتشمل اضطرابات ذهانية ونفسية حادّة تستدعي تدخلاً علاجياً عيادياً، إذ رُصدت حالات فصام (Schizophrenia) من قبل إحدى المرشدات[13]؛ مما يضع المرشد التربوي أمام مسؤولية الرصد والتوجيه الفوري عبر نظام الإحالة.[14]

أما الإضافة الأكثر تمايزاً في سياق المدارس الشرعية فهي أنماط خاصة من الاضطرابات مرتبطة بالبنية العقائدية والتعبدية؛ حيث أشار المرشدون [15]إلى رصد حالات من الوسواس القهري المتصل بالعبادات (كالطهور، والصلاة، ومخاوف العقاب المتكررة)، وهو ما يعكس تداخل العَرَض النفسي[16] بالبنية المعرفية الدينية للطالب، وتؤكد هذه الظاهرة أن الخصوصية الروحية للمدرسة الشرعية لا تعفيها من الأزمات النفسية التي في المجتمع، بل قد تمنح هذه الأزمات قوالب وأشكالاً تعبيرية خاصة تحتاج إلى تفكيك واعٍ.

ورغم أن المشكلات في البيئة الشرعية قد تبدو أقل نسبياً من حيث الكم؛ إلا أنها تطفو وتتعاظم خلف الأبواب المغلقة، ولم يقتصر الأمر على آثار الحرب، بل أُضيف إليها تحدٍّ بنيوي خاص يتعلق بـ”الخلافات المرتبطة بالتوجهات والمشارب الفقهية والعقدية المختلفة”، مما جعل دور المرشد أكثر تشعباً؛ إذ بات مطالباً باحتواء هذه التباينات، وصياغة خطاب ديني جامع يمنع الخلافات الفرعية من التأثير سلباً على النسيج الطلابي داخل المؤسسة التعليمية.

ثالثاً: التحديات المركبة (الفكرية، الهيكلية، والبيئية):

واجهت مؤسسة الإرشاد التربوي جداراً من المعوقات التي أثرت فيها بشكل كبير؛ حيث اصطدمت التجربة بإنكار بعض الأوساط الشرعية والمدرسين التقليديين الذين يربطون الاضطرابات النفسية بـ”ضعف الإيمان”، مستعيضين عنها بتفسيرات غيبية[17] وبالاتهام بضعف الإيمان، متناسين نصوصاً شرعية مثل حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في وفاة إبراهيم ابن النبي ﷺ: ((العَيْنَ تَدْمَعُ، ويحزن القلب، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى الرب، والله إنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُنُونَ))[18].

ومع ممارسة نوع من التهميش لدور المرشد واعتباره مجرد ترف وظيفي[19] تفتقر معظم المدارس لغرف مستقلة تضمن “السرية المطلقة”؛ مما يحرم الطالب من الأمان النفسي اللازم للبوح، وهي شكوى تكررت لدى أغلب المرشدين المستطلعين في مدينة حلب والمحافظات[20]، كما تحوّل المفهوم الذهني لغرفة الإرشاد لدى الطلاب -بفعل ممارسات إدارية خاطئة- إلى كونها غرفة تحقيق أو استجواب، مما أفقدها بعدها الاحتوائي[21] من جهة، ومن جهة أخرى يقع الطالب القادم لغرفة الإرشاد تحت وطأة نظرة الأقران الدونية (ربط المشكلة النفسية بالجنون)، يدعمها تخوُّف الأهالي ومنعهم أبناءهم من مراجعة المرشد تجنّباً للوصمة الاجتماعية، أو معاقبتهم ظناً منهم أن ذلك يعكس ضعفاً في الإيمان[22]. وواجهت التجربة ضغطاً أكبر بسبب الارتفاع الحادّ في أعداد الطلاب المستهدفين مقارنة بالمرشد الواحد، بالتوازي مع تدنّي الأجور وشحّ الموارد، مما يحول الوظيفة قسراً إلى مهمة إجهادية تعرض الكادر للاحتراق المهني[23].

رابعاً: تقييم الأثر وشهادات الميدان:

على الرغم من البيئة الصعبة والمعوقات سالفة الذكر تظهر نتائج المقابلات الميدانية العشرة إجابة قاطعة بنجاح التجربة وجدارتها بالمؤسسة، لاسيما بعد اطلاع الباحثة على مقياس قامت به المرشدة(R1)، قاست به مدى نجاح برنامج حمل عنوان “العنف اللفظي”؛ حيث تم قياس نسبة انتشار العنف اللفظي في بداية وصول المرشدين للمدارس بحوالي 91%، وإعادة القياس بعد التعرض للبرنامج؛ فتبيّن أن النسبة بعد التعرض للبرنامج انخفضت إلى 45%. وقد تقاطعت هذه المؤشرات مع شهادات المرشدين الذين ظنوا أن تجربتهم ستفشل لكنها أدت إلى نجاح أوصلهم حدّ الرضا الذاتي؛ إذ أكدت الغالبية العظمى منهم أن زملاءهم المرشدين التربويين قدّموا أداءً استثنائياً يفوق طاقتهم الاستيعابية وبثبات ملحوظ من خلال مراجعة التقدم على المجموعات الإرشادية التي تضمّهم، واستطاعت التجربة تفكيك الفكرة المغلوطة بعدم حاجة حقل التعليم الشرعي للإرشاد، مبرهنةً على كونه ضرورة تربوية ملحة لا تمايز فيها بين تعليم شرعي وتعليم عام.

سادساً: التوصيات ومسارات الحل:

لضمان استدامة المشروع ونقله من مرحلة “المبادرة الحرجة” إلى “المؤسسة الراسخة”، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات، وهي:

  • التوسع الهيكلي وخفض العبء العددي: بزيادة معدلات التوظيف للمرشدين التربويين من قبل مديريات الأوقاف لتتناسب مع أعداد الطلاب، ضماناً لجودة الرصد والمتابعة وحماية للكوادر من الاحتراق النفسي نتيجة كثرة أعداد الطلاب.
  • حملات التوعية المنظمة: إطلاق برامج توعية مجتمعية ومؤسسية تطلقها وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة تستهدف الكادر التعليمي وأولياء الأمور والمجتمع لتفكيك “وصمة العار” المرتبطة بالإرشاد، وتوضّح التكامل الوظيفي بين الوعظ الديني والإرشاد النفسي.
  • التمكين المعرفي وبناء الشراكات: من خلال عقد شراكات استراتيجية بين مديريات الأوقاف ومنظمات المجتمع المدني السوري المختصة بالدعم النفسي والاجتماعي (MHPSS)، لتصميم حقائب تدريبية مستدامة ترفع كفاءة المرشدين في الفنّيّات المعاصرة.
  • الحماية البيئية واللوجستية: إلزام الإدارات المدرسية بتأمين غرف إرشادية مستقلة ومعزولة تضمن الخصوصية الكاملة وتكسر الصورة النمطية العقابية.

خاتمة:  

إنّ الإصرار على ربط المظهر النفسي المرَضي بضعف الإيمان ليس سوى نوع من الإنكار أمام حقيقة موضوعية، هي أننا جميعاً مجتمع يعاني من ترسبات أوجاع الحرب وأزماتها المتلاحقة، ويتناسى هذا الخطاب المحارب للتجربة -خاصة من بعض التيارات التقليدية المنغلقة- أن المعلِّم والموجِّه النفسي الأول في المنظومة الإسلامية هو الرسول ﷺ، الذي كان سبّاقاً برحمته في رعاية الصحة النفسية لأصحابه، وتفكيك أوجاعهم الروحية والسلوكية عبر أساليب احتوائية دقيقة سبقت الأطر المفهومية المعاصرة بقرون.

إن المؤشرات التي تشير إلى نجاح تجربة الإرشاد التربوي اليوم في المدارس الشرعية بمدينة حلب، رغم حداثتها وشح إمكاناتها، يقطع الشك باليقين أن هذا المسمى ليس ترفاً لوجستياً أو وظيفة بلا معنى، بل هو حاجة وجودية ملحّة لترميم رأس المال البشري، وإعادة بناء الهوية النفسية والسلوكية لأجيال صاعدة يقع على عاتقها بناء مستقبل سوريا الجديدة،  لاسيما وأن المجتمع ينظر إليهم أنهم يمثلون امتداداً لبنية فكرية وروحيّة تحظى بخصوصية ومكانة عالية في الوجدان المجتمعي السوري، باعتبارهم حَمَلة رسالة قيمية وأخلاقية ذات أثر عميق، مما يضاعف من أهمية توازنهم السلوكي والمعرفي في صياغة الهوية الجمعية لأجيال الغد.

جدول يوضح طبيعة المقابلات التي تم إجراؤها مع عدد من مع عدد من المرشدين التربويين في المدارس الشرعية

الرقم
النوع
التاريخ
الرمز
1
أنثى
25-6-2026
M2
2
أنثى
25-6-2026
Z1
3
أنثى
25-6-2026
F3
4
أنثى
26-6-2026
A2
5
أنثى
26-6-2026
S2
6
أنثى
28-6-2026
R1
7
أنثى
30-6-2026
A m3
8
ذكر
30-6-2026
Aa1
9
ذكر
30-6-2026
Q4
10
ذكر
30-6-2026
T9

[1]-يُنظر: الإرشاد النفسي والاجتماعي، صالح بن عبدالله أبو عبادة وعبد المجيد بن طاس نيازي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،2000م.
[2] الصحة النفسية والعلاج النفسي، حامد الزهران، عالم الكتب، القاهرة، (1999م)، ط4: ص46.
[4] Mental disorder and PTSD in Syria during wartime: a nationwide crisis, Sami Jomaa, Ameer Kakaje, Ragheed Al Zohbi, Osama Hosam Aldeen, Leen Makki, Ayham Alyousbashi, and Mhd Bahaa Aldin Alhaffar, 18 June 2021.
[5] Epigenetic signatures of intergenerational exposure to violence in three generations of Syrian refugees, Connie J Mulligan, Edward B Quinn, Dima Hamadmad, Christopher L Dutton, …,, 2025 Feb 27.
[6] الصدمات المركبة: هي التعرض المتكرر أو المستمر لأحداث مؤلمة ومخيفة على مدى فترة طويلة.
[7] الحزن الممتد: هي حالة نفسية تتسم بالشوق والحنين الشديد للمتوفى.
[8]من مقابلة قامت بها الباحثة مع((Z1 بتاريخ 25/6/206م، ومقابلة مع (F3) بتاريخ 25/6/2026م، ومقابلة مع (Q4) بتاريخ 30/6/2026م.
[9] من مقابلة قامت بها الباحثة مع (Aa1) بتاريخ 30/6/2026م، ومقابلة مع (R1) بتاريخ 28/6/2026م، ومقابلة مع (A2) بتاريخ 26/6/2026م، ومقابلة مع((Z1 مصدر سابق، ومقابلة مع (F3) مصدر سابق، ومقابلة مع (M2) بتاريخ 25/6/2026م.
[10] يُنظر: كتاب مبادئ علم النفس، هشام أحمد محمود غراب،2023م.
[11] يُنظر:
[12] من مقابلة قامت بها الباحثة مع (T9) بتاريخ 30/6/2026م ،ومقابلة (R1) مصدر سابق، ومقابلة مع (A2) مصدر سابق، ومقابلة مع((Aa1 مصدر سابق، ومقابلة مع (F3) مصدر سابق، ومقابلة مع (Z1) مصدر سابق، ومقابلة مع(M2) مصدر سابق.
[13] من مقابلة قامت بها الباحثة مع(R1)، مصدر سابق.
[14] نظام الإحالة: هوالإطار التنظيمي والآلية التي يتم من خلالها تحويل المستفيدين (سواء كانوا طلاباً، أو أفراداً في مجتمع محلي، أو مرضى رعاية أولية) من قِبل جهات أو كوادر لا تمتلك تخصصاً سريرياً أو طبياً دقيقاً، إلى مستويات رعاية أعلى أو جهات أخرى تقدم دعماً مركزاً أو متخصصاً.
[15] من مقابلة قامت بها الباحثة مع(R1) مصدر سابق، ومقابلة مع(F3) مصدر سابق.
[16] العرض النفسي: هو مجموعة من المؤشرات التي تدل على وجود مشكلة نفسية.
[17] كالمسّ، والجنّ، والشيطان.
[18] أخرجه البخاري (1303)، ومسلم (2315)، وأحمد (13014)؛ واللفظ لهم جميعاً.
[19] من مقابلة قامت بها الباحثة مع (M2-Z1-F3-A2-S2-Am3)، مصدر سابق.
[20] جميع المشاركين في المقابلات.
[21]من مقابلة قامت بها الباحثة مع (Z1-A2-T9-R1)، مصدر سابق.
[22] من إفادة جميع المتقابل معهم.
[23] من إفادة جميع المتقابل معهم.
الموقع الإلكتروني |  مقالات الكاتب

مرشدة نفسية، طالبة ماجستير في الفقة وأصوله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى